شغلت قضية «الإصلاح» عقول المخططين من سياسيّين واقتصاديّين ومفكرين ومثقفين سنوات عديدة والتي تطورت إلى مفهوم التنمية المستدامة، وبدأ يترسخ هذه المفهوم تدريجيّاً في الأردن حتى أضحى سياسة في القرن الواحد والعشرين تتطلع إلى بناء أنموذج جديد للمجتمع والاقتصاد والبيئة ينشده المواطنون جميعاً.
وكانت عملية الإصلاح في الأصل موضوعاً عاماً لمجموعة متناسقة من السياسات صِيغت من قبل حكومات وبرلمانات واحزاب ونقابات لتأكيد أهمّية الاستخدام الامثل للسياسية والديمقراطية الرشيدة في تلبية الاحتياجات الوطنية الأساسيّة وتعزيز التَّنمية الاقتصاديّة التي تراعي سلامة الدولة.
واليوم لا يزال مفهوم «الإصلاح» أو التنمية السياسية يستخدم على نطاق واسع في كل من دوائر وضع السياسات؛ حيث يمتد نطاقه الآن إلى ما وراء قضايا الإصلاح.
وفي الوقت الذي أدرك فيه النظام السياسي أهمّية الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعيّ ودوره في خلق الثروة، دافعت احزاب كثيرة عن مشروع التَّنمية السياسية وحق المواطن في الحياة الكريمة، فبادر بعضها بانشاء برامج سياسية وائتلافات متخصصة، وكتبت التقارير، ونظمت الندوات والمؤتمرات على المستويات المحلية؛ الأمر الذي أدى إلى إضفاء ديناميكيّة على مشروع التَّنمية السياسية، وتجدده المستمر وتحوله إلى مقاربة محلية تشمل مناحي الحياة جميعها.
وعلى الرغم من كل الجهود المبذولة في سبيل تحقيق التَّنمية السياسية والاصلاح على القوانين وعلى المستويات الوطنيّة، فما يزال المواطنون يواجهون في مناطق مختلفة من المملكة تحدّيات كبيرة تتمثل في؛ ولعل في مقدمتها التوزيع غير العادل للثروات والخدمات والتمثيل البرلماني والبلدي، والتنافس غير المتكافئ بين المناطق، مما أدى إلى زيادة الفقر وتفشي البطالة والأميّة والنمو الديمغرافيّ المتزايد، وانتشار التطرف والعنف والمخدرات؛ وهي مخاطر تهدّد بحد ذاتها (العمران البشري).
ومن أجل مواجهة هذه التحديات الكبيرة وتحقيق «الإصلاح» ليفضي إلى التَّنمية المستدامة يحتاج الأردن إلى نهضة تشمل من دون استثناء مجالات المعرفة الإنسانيّة والتوعية السياسية ومحاورها جميعاً؛ إذ تؤدي هذه النهضة إلى إنتاج المعرفة وصناعتها، ثم نقلها وتداولها، مع ضرورة تحولها إلى فعل إنسانيّ شامل. وينبغي عند التفكير في هذه النهضة العلميّة والفكريّة إعادة النظر في مكانة العلوم والمعارف والنخب والقيادات وتوليها على اسس حقة؛ بحيث لا يصبح بعضها محسوبية وشللية وبعضها الآخر غارقا في مصالحه الشخصية والعائلية، وألّا يتعامل?معها على أنها مطارحة «فلسفيّة» فقط، والأخرى ميكانيكيّة وآليّة مجردة.
وتحتم مثل هذه التحدّيات على الدول تحديث قوانينها وتشريعاتها الناظمة للحياة بشكل عام وتحديث موضوعاتها وتطوير مناهجها وتنويع أدواتها؛ لكي تتمكن من مواجهة تلك التحدّيات الخطيرة على الامن والسلم الإنساني، وتقديم الإجابات عن الأسئلة المطروحة، والمشكلات التي تعترض مستقبل المواطنين، وتوفير الشروط الموضوعيّة للإقلاع الحضاريّ، والانتقال من طور التكديس إلى طور البناء.
وقد واجهت الدولة والنظام بشكل عام ولا تزال تحديّات ورهانات صعبة في طرح بدائل علميّة وعمليّة من أجل تحقيق الاصلاح التي يتطلع إليها الشعب، ولا سيّما أنّ التحولات الاجتماعيّة والتغيرات في القيم تؤثر تأثيراً مباشراً في إنجاز مشروع الاصلاح السياسي والتَّنمية المنشودة، مما يستدعي تشخيصها ودراستها وتقويمها باستمرار.
ومن أجل ذلك كلّه يتطلّع الناس إلى ما ستؤول آليه نقاشات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية وأدوارها في تحقيق الاصلاح، وحل التحدّيات التي تواجه التنمية وسبل دعم الديمقراطية وتعزيزها، وتقديم تقييم نقديّ للتجارب التي تحققت في هذا المجال وطنياً أو اجهضت، واستخلاص النتائج والدروس المستفادة من تلك التجارب لطرح البدائل الممكنة وتحد للهيكليات والبنى المفروضة.