بقصد أو بغير ذلك، يقع ديوان الخدمة المدنية في أتون مستنقع سوء المظنة من قبل شريحة كبيرة من الناس في مجتمعنا العزيز. يأتي سوء المظنة هذا، جرّاء عدم الحصول على المعلومة الحقيقية تجاه ما يقوم به الديوان من خدمة تارةً، وما تثيره جماعات المصالح من شكوك تنثرها هنا وهناك، حول عدم المساواة بين أفراد المجتمع في الحصول على الوظيفة تارةً أخرى. شاء القدر أن أطّلع على حقيقة ما يقوم به الديوان من وظائف ومسؤوليات، والوقوف عن كثب تجاه ما يشاع حول عدم المساواة، فنبشت في بعض من هذه الشكوك بالعمق، ووقفت عن كثب على طبيعة وآلية عمله وأخلاقياته المتعلقة بالنزاهة والشفافية والصدق والمساواة وتكافؤ الفرص. كانت النتيجة التي بتّ مقتنعاً بها أنّ الديوان قد أخذ على عاتقه ومنذ سنين، تزويد الجهات الرقابية دون إستنثناء بنسخ من الكشف التنافسي لتدقيقها والوقوف على تفاصيلها كافة، بشكل يضمن دقتها وسلامتها من أي تجاوزات، مصرا في الوقت ذاته على أنه لا «واسطات» في أداءه لعمله سواء كان ذلك في التعيينات أو في الترتيب التنافسي. الاّ أنه وبالرغم من ذلك، ما زالت هذه المؤسسة تتعرض بشكل مستمرّ الى تشكيك في أدائها وأهدافها، مع إدراك شريحة كبيرة من الناس أنها لا تقرّ من جهتها حاجة الوزارات والدوائر الحكومية المستقلة ومعها مؤسسات القطاع الخاص الشواغر المطلوبة.
إنطلاقاً من واجبي كأكاديمي متخصص في مجال الاعلام، وباحث وكاتب أن أساهم بحدود المتاح في إبراز الحقيقة ونقل الواقع كما هو دون تحريف أو تزييف. فاجأني فعلاً ما أفضى به رئيس الديوان عندما التقيته مؤخراً، حينما قام بتوضيح وتبسيط للإجراءات المطبّقة بشكل شفّاف وموثّق لا إحتمالية تستدعي للشك فيها، الامر الذي جعلني أشعر بأن في بلدي جهات أمينة بحق على حقوق ومكتسبات أبناءه دون تمييز. ما وددّت أن أركّز عليه في هذا المقال هو أهمية الادراك بأن قدرة الأجهزة الحكومية على إستيعاب الخريجين محدودة في كل دول العالم، وأنّ لكل جهاز حكومي طاقة إستيعابية معيّنة، وانّ إحتمالات الحصول على الوظيفة الحكومية ضعيفة، وفي ظلّ هذا كلّه يجب المشاركة وبقوة في توعية المجتمع لإستيعاب فكرة التوجه الى البدائل الاخرى المتاحة في القطاع الخاص، أو إقامة المشاريع الصغيرة المدرّة مالياً، فالجدارة، والتحوّل، والتنافسية والاصرار طريق النجاح والثبات. ديوان الخدمة المدنية وكادره مظلومون، فهم بين مطرقة الشاغر وسندان الطلب، لنرحمهم ولو قليلاً وندعم يعملون، ولنكف عن محاولات تسقّط أخطاءهم...