«ليس كل ما يَحْدث، يصبحُ صالحاً لدخول التاريخ، ولا كل ما يُكتب، فبعض هذا وذاك مكانه المناسب سلة المهملات!».. «بعض الكُتاب حين تصادفهم معلومة تاريخية يسارعون بنقلها لمجرد انها قديمة دون ان يتحققوا من صحتها وقيمتها، وعندما يتفاجأون بان بعض القرّاء عرفوها في ماضي أيامهم وعرفوا تهافُتها، لا يُسقط في يدهم فيعتذرون بل يدافعون عن زيفها وعن تفاهة من سموهم ابطالها!».. «ليست كل زعامات الزمن الماضي كانت في الأصل.. ذات أصل! وهي بذلك لا تصلح قدوة لزعامات الزمن الحاضر».. » كثير من احداث الماضي لم يقم بها أفراد او قادة ملهمون بل جموع من الناس كانوا يسمون العامَّة أو الرعاع أو العبيد او رقيق الارض، وهم الآن الجماهير المتظاهرة في الشوارع والأحزاب المعارضة والنقابات المطالبة بالحقوق، لكن التاريخ تجاهل أكثرهم ومجّد جلاديهم ونخّاسيهم وسارقي أقواتهم.. حتى من افواههم!».

تلك كانت بعضٌ من ملاحظات دوّنتها على ما كتب باسم التاريخ في اوقات مختلفة حتى وصلتُ ما كُتب بعد مئوية الدولة الاردنية، ولقد هممتُ مراراً بتوضيحها والتوسع في شرحها لكني كنت اصطدم بحدود الحرج فأتوقف معلّلاً نفسي بان قارئ اليوم أكثر فطنةً مني وهو قادر دون توجيه ان يدرك كُنْهَ ما نويْتُ قوله.. وعندما أخشى ان يكون ذلك وهماً من اوهامي أراجع نفسي فأرى ان هناك ما يستحق المجازفة بمناقشته، على الأقل بشأن أحداث عشتها بنفسي، مثلاً حين رفض الشعب الاردني حلف بغداد في خمسينات القرن الماضي وكشفتْ الوثائق المفرج عنها لاحقاً أسماء ودوافع من أيدوه واستعدوا للتوقيع عليه، كيف يتسنى اليوم السكوت على قلب الحقائق حول مواقفهم منه وعلى إسقاط دور الشعب الاردني في إفشاله؟ او في مثال آخر عندما يتم التعتيم الكامل على وقائع تجنيب الاردن التورط في مؤامرة ضرب ثورة اليمن عام ١٩٦٢، أليس التذرع بالحرج جبناً حتى لا أقول خيانة لمسؤولية الكتابة؟ ومثال ثالث، عند حديث البعض عن تاريخ الصحافة في هذا البلد خالياً مما ينصف المعارضين الأوائل الذين اقتحموا ميدانها الشائك بصحف فقيرة لكن شجاعة وصمدوا قدر ما وسعهم الصمود، بفضل مبادئهم.. وإذا بهذا التاريخ نفسه يسبغ التمجيد على اصحاب «دكاكين الورق المطبوع » ممن لا يمتّون لروح المهنة العظيمة بصلة خاصةً أني عرفتُ بعضهم عن كثب وقد قضوا جل عمرهم ينافقون الحكومات فلفظهم الرأي العام وماتت جرائدهم قبل ان يموتوا!

وبعد.. لم أقصد ان أُشغل القارئ بألغازٍ عليه فكها وحلها فانا مطمئن الى أن بحوزته من مصادر المعرفة أضعاف ما توفر للكثيرين فيما مضى وما تقاعسوا، ولا أعدُه باني سوف أفضح سترها في مستقبل لم يبق لي فيه متسع من الوقت او قدر كافٍ من الطاقة لخوْض معارك جديدة، لكني أعده بأن ألقي على تلك الأحداث بعض الضوء كلما تمكنتُ!