للألغام الارضيّة تاريخ طويل مؤلم من قتلٍ غادر او تشويهٍ لكل من يسوقه حظه العاثر لان يطأها سواءً كان من جنود المشاة في الحروب او المدنيين الأبرياء بعدها، أما حديثي عنها اليوم فيبدأ بعام ١٩٨٥حين كنت احضر لأول مرة في جنيڤ الاجتماع السنوي لمنظمة الصحة العالمية وشاهدتُ امام قصر الامم مجسما عملاقاً لكرسي خشبي بثلاث قوائم اشارةً الى ان الرابع مكسور مبتور كما يحدث لسيقان ضحايا انفجار الألغام، وكان المجسم الضخم اعلاناً مدوّياً تطلقه منظمة الصحة العالمية عن اهمية منعها وإدخال خدمات مصابيها ضمن الرعاية الصحية الأولية?التي كانت كل دول العالم قد التزمت بها في ألما آتا عام ١٩٧٨، وتؤكد ضرورة قيام الحكومات بالتوقيع على معاهدة تحرّم صنع واستخدام هذا النوع من الألغام وتعمل على نزع ما زرع منها وتركتها الجيوش لتشكل خطراً على الأبرياء ايام السلم، وهي معاهدة أوتاوا التي لم تُنجز الا في ١٩٩٧، وقد تقاعست عن التوقيع عدد من الدول على رأسها الولايات المتحدة ومنها روسيا والصين والهند وباكستان وإسرائيل، لذلك فمن المحزن اننا ما زلنا نرى النتائج المأساوية لهذا التقاعس في استمرار تفجر الألغام المدفونة والمقدرة بأكثر من مائة مليون وسقوط نيف?وخمسة آلاف من ضحاياها سنوياً في بلاد عديدة سيّئة الطالع كأفغانستان التي شهدت حروباً متنوعةً كان آخرها وأطولها قد شنته الولايات المتحدة وحلفاؤها ظلماً وعدواناً بحجة احداث سبتمبر ٢٠٠١ في نيويورك، ومع أن الرئيس بايدن أعلن قبل أيام قرار انسحاب جيوشه منها بحلول سبتمبر القادم، لكن الغريب المستهجن حقاً ان يعلن في قرار اخر السماح ببقاء الألغام في أراضيها رغم انه كان اثناء حملته الانتخابية قد وعد بإزالتها قبل خروج قواته منها دون ان يذكر المبررات التي جعلته يغير رأيه!

ترى هل يكفي هذا السرد التاريخي المقتضب لتوضيح خطورة الامر ومدى الضرر البالغ الذي سيخلّفه قرار الرئيس بايدن بالإبقاء على الألغام في أفغانستان كي تشكل فخاخاً قد تقتل في اي لحظة مدنيين ابرياء او تبتر ارجلهم وفي مقدمتهم رعاة الأغنام والإبل الذين يجوبون البراري لكسب رزقهم؟! ام هل يصدق أحد ان «التشفّي» وهو سلوك فردي يمكن ايضاً أن تمارسه الدول والحكومات؟! هناك من يجيب بالنفي ويوجّه إصبع الاتهام الى صناعة الأسلحة في الولايات المتحدة التي تشكّل مع البنتاغون مجمّعاً عسكرياً صناعياً حذّر منه الرئيس آيزنهاور قبل ستين ?اماً وأصبح مع الزمن سلطة غير دستورية تفوق في نفوذها احياناً الكونغرس نفسه، بأنها وراء هذا القرار وقد كانت أصلاً وراء رفض اميركا التوقيع على معاهدة أوتاوا عام ١٩٩٧لأن هدفها الأساسي كأي صناعة اخرى تحقيق مزيد من الأرباح بصناعة وبيع مزيد من الألغام!

وبعد.. ما زال أملي معقوداً على الناشطين الشرفاء في اميركا لمواصلة الضغط على الرئيس كي يوفي بوعده الإنساني النبيل.