كان حلمه بسيطاً يتلخص في إقامة متحف لآرمات قديمة من قلب عمان تحمل أسماء اصحابها ومحلاتهم أو مكاتبهم او عياداتهم أو مطاعمهم. وصاحب الحلم خطاط ‏نشأ بين مثل هذه اللوحات منذ نعومة أظفاره فشغف بتطويرها، وعندما أزف من العمر موعدٌ اختاره لالتقاط الانفاس وربما تلبية لرغبة أرّقته طويلاً كي يخلّد جزءًا بسيطاً من تاريخ العمّانيين وكان قد جمع عدداً من لافتاتهم القديمة، حتى البالي والمهشم منها كان يصلحه ويرممه بأناة وحنوّ كي يصبح قابلا للعرض، وأقام متحف آرمات عمان..

هكذا حقق الفنان الخطّاط غازي خطّاب حلمه دون ضجيج، وكم سعدت حين دعاني لزيارة المتحف في بيئته الطبيعية في قاع المدينة، بجوار واحد من أقدم مقاهي عمان هو «السنترال «الذي لا يقل عمره عن ثلاثة ارباع القرن.

قضيت في المتحف برهةً نقلتني لمشاهد من طفولتي حين كنت أتابع في طريقي إلى المدرسة كل آرمة جديدة يعجبني خطها بعد ان مكنني التدرب في درس الخط من الاستمتاع ببعض أنواعه كالرقعة والنسخ والفارسي والديواني باشراف معلم العربية مولود (الشركسي)، وقد برع من بيننا رفيقنا في الصف حلمي حميد (الشركسي أيضا) الذي أصبح بعد سنوات قليلة من اهم الخطاطين الذين ملأت أعمالهم جدران عمان.. ويقول بعض الباحثين في هذا الفن ان اجمل الخطوط (العربية) ظهرت في إستنبول ايام (العثمانيين)..

لقد ضم المتحف لافتة رافقني في عيادتي قرابة ستين عاماً لكن الأهم ان العدد الكبير من اللافتات المنوعة الاخرى ذكرتني بما هو اقدم يوم كان في عاصمة الإمارة خطاطان وحيدان هما انطون باسيل رسّام اللوحات الدينية في كنائس مادبا وعمان ثم أحمد كُرد علي القادم من الشام، والأستاذ خطاب يعرف عنهما الكثير لكنه لم يعثر على أعمالهما الأصلية قبل أن ينضم إليهما في شركة واحدة خطاط ثالث قادم من حيفا اسمه أدركاني (الايراني الاصل) وكان أجملهم خطاً واظنه تعلّم أصول هذا الفن وقواعده على يد خطاطين مصريين.. ثم في وقت متأخر أي بعد عام ?لنكبة نزح من يافا خطاطها سبانخ وبدأ في عمان نمطاً جديداً من «صناعة» الآرمات التي يقول محترفوها المعاصرون انها ستواصل التقدم والتحديث ولا خوف عليها من دخول عصر التكنولوجيا والكومبيوتر لتزداد جمالياتها مع تعدد وظائفها واستخداماتها النافعة..

لعل من المناسب القاء بعض الضوء على كلمة «آرمة» التي لا تبدو فصيحةً حتى لو لفظناها بالقاف «قارمة»، وليس لها في معاجم اللغة، كما «اليافطة «المستعملة في مصر، اشتقاق ذو صلة بالمعنى! اما «اللافتة «التي يشيع استخدامها في أيامنا فهي أقربها جميعاً للعربية السليمة..

‏وبعد.. ترى هل تنبهت وزارة الثقافة وسط احتفالاتها بمئوية الاردن الى ان هذا المتحف المتواضع اضافةٌ صغيرة للتاريخ غير الرسمي قدمها مواطن أحب فنه وعمله، وفوق ذلك.. وطنه؟!