لدى لقاء جلالة الملك عبد الله الثاني رئيس مجلس الأعيان وأعضاء من لجان المجلس في قصر الحسينية الأسبوع الماضي، شدّد جلالته على ضرورة المضي قدماً بجرأة وقوة في عملية الإصلاح الإداري، لمعالجة ما اعترى إدارتنا العامة من ثغرات أو اختلالات، وتخليصها من كافة مظاهر البيروقراطية والترهل والتسيب والاتكالية، ولذلك فإن الفرصة مواتية الآن أكثر من أي وقت مضى لتسريع وتيرة عملية الإصلاح الإداري ومأسستها.
ومن أجل تحقيق ذلك الهدف، يجب صياغة قواعد مُحكمة تحدد ماهيّة الشروط والمؤهلات الواجب توافرها لتولي الوظيفة الحكومية وبخاصة المناصب القيادية، وتبين المهام والأدوار والكفايات المطلوبة وتوجيهها نحو تلبية الاحتياجات الفعلية بناءً على دراسة دقيقة، كذلك ينبغي استنباط معايير شفافة تحدد ما مدى قدرة الموظف أو المسؤول على أداء العمل المنوط به، فضلاً عن مدى كفاءته في بلوغ الأهداف الموكلة إليه تحقيقها بدقة وإتقان، وعلى ذلك فإن الحكومة التي أقرت وعلى لسان رئيسها بأننا بحاجة إلى ثورة إدارية شاملة مدعوة لتبني هذا الطرح وت?جمته إلى واقع ملموس.
ولعل الطريق القويم الذي يتعين على صانعي القرار وراسمي السياسات العامة اتباعه للنهوض بالقطاع العام والسير به نحو التقدم والتطور، يرتكز في المقام الأول على إعادة النظر بالأسس التي يتم بناءً عليها التعيين بالوظائف الحكومية وتقلد المناصب القيادية في الدولة، وتبعاً لذلك يتم اختيارهم طبقاً لقواعد الكفاءة والأهلية والخبرة والنزاهة، والقدرة على تحمل المسؤولية وأداء الواجب بتفانٍ وإخلاص، بعيداً عن كافّة أشكال الواسطة والمحسوبية والشللية، ومظاهر التمييز أو الاستثناء، أو سياسة المحاباة والاسترضاء التي قادتنا إلى هذا ?لواقع الإداري المرير.
وينبغي علينا لفت الانتباه إلى أهمية تفعيل آليات المحاسبة والمساءلة؛ ليكون الموظف أو المسؤول –كائناً من كان – خاضعاً للرقابة، ويتم تقييم أدائه طبقاً لمستوى حجم الإنجاز، وهكذا يتم مكافأة المبدع ومعاقبة المقصر، وكذلك ينبغي تكريس مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص في التعيين والترقية، وما من شكّ أن هذه المعايير والمقاييس والقواعد من أهم مقومات الإدارة العامة الحصيفة، وتنعكس آثارها الإيجابية على مختلف مناحي الحياة العامة، فلا تقدم ولا تنمية أو ازدهار دون تكريس نهجها، وسوف يكون مكاننا ذيل القافلة، ولن نتقدم إلى الأمام ق?د أنملة.
تأصيلاً على كل ما تقدم فإن ما يعيد لإدارتنا العامة وجهها المشرق، وما يفتح الآفاق أمامها لتعزيز قدراتها، يستدعي بالضرورة إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة وتفريغه من الحمولة الزائدة، وتحرير الجهاز الإداري الحكومي من القيود التي تعيق تطوره وتقدمه، هذا فضلاً عن إعداد برامج لإعادة بناء القدرات المؤسسية للطواقم العاملة في القطاع العام، وتجديد كفاياتها وتدريبها تدريباً مؤسسياً وفنياً، وتسليحها بالمهارات والخبرات العملية اللازمة، ورفده بالكفاءات البشرية المؤهلة والمدربة، وتزويدها بالأجهزة الحديثة المتطورة، وإطلاع?ا على أفضل الممارسات والتجارب العالمية لتصبح مدخلاً لمواكبة ومجاراة متطلبات ومعطيات هذا العصر الحداثي المعولم، والذي يمتاز بالتطور الجارف المتسارع، فما كان عصرياً قبل عدّة سنوات أصبح اليوم تقليدياً، ولا يفي بالغرض أو يحقق الغاية المنشودة.
ومن المعلوم أن أول ثورة بيضاء لمحاربة ترهل الجهاز الإداري للدولة يعود إلى عام 1996م وكان حينما عهد المغفور له الملك الحسين بن طلال - طيّب الله ثراه - إلى دولة عبد الكريم الكباريتي بتشكيل حكومة، كانت مهمتها الرئيسة القضاء على الترهل والوهن الذي بدأ يدب في أوصال القطاع العام، ونحن نشهد اليوم ما يمكن أن نسميه إعادة الإنتاج لتلك التجربة، غير أن الثورة المنشودة تأخذ أسلوباً جديداً وشكلاً مختلفاً هذه المرة، وقد آن الأوان للبدء بثورة بيضاء ثانية لتحقيق ذات الهدف والغاية، وبات لزاماً على الحكومة أن تضع خطة واضحة ا?معالم، تخرج عن الإطار النظري إلى العملي وفق منظور شمولي تكاملي، فمن غير المعقول أن تستمر المعادلة بهذه الصورة ونحن على أعتاب تدشين المئوية الثانية للدولة.
رئيس نادي فرسان الثورة العربية الكبرى