كتاب

سُحب الفوضى «تتجمع» فوق لبنان

تتسارع الاحداث في لبنان ما يُنذر بدخوله مرحلة اللاعودة, والاحتمالات الواردة بمواجهات قد تتجاوز الأبعاد الطائفية والمذهبية الى ما يشبه الفوضى العارمة, التي قد تُدخِله حربا اهلية جديدة ليس فيها طرف «خارجي», ترمي عليه القوى الانعزالية خصوصا مسؤولية هذه الحرب التي لا تحظى (حتى الان) بدعم خارجي مباشر, على النحو الذي كانت عليه عام 1975 عندما حمّل الانعزاليون المقاومة الفلسطينية مسؤولية ما جرى وتواصل حتى التوقيع على اتفاق الطائف (1989) المُتعثّر التطبيق والخاضع للعبة المُماحكات والقراءات الطائفية والمذهبية.

جديد ما حدث اول من أمس الذي سمّي «اثنين الغضب», هو غياب الجمهور اللبناني الغاضِب والمُحتجّ على تدهور أوضاعه المعيشية وارتفاع نِسب الفقر والبطالة وأسعار المواد الاساسية, وخصوصا انقطاع الكهرباء وانهيار سعر الليرة مقارنة بالدولار(تجاوَز 10,000ليرة).

غياب الجمهور عن الساحات نتيجة تصدّر الحِزبين الإنعزاليين القوات اللبنانية/سمير جعجع والكتائب/ آل الجميل المشهد. كذلك وجد انصار سعد الحريري فرصتهم لتصفية حسابات زعيمهم مع رئيس الجمهورية ميشال عون, ناهيك عما قام به أنصار جنبلاط في الجبل، الامر الذي اعاد حال الاستقطاب التي أوصلها «الرُباعي» هذا...ذروتها, فهو يجد دعما ضمنيا واحيانا علنيا من حركة أمل/ بِرّي.

وإذ لجأ هؤلاء الى قطع الطرقات واشعال الدواليب وشل الحركة في مناطق واسعة, ما أثار نقمة جماهيرية عارمة لتضاف الى مشكلات اللبنانيين المُتدحرِجة, فان رفض قيادة الجيش البيان الرئاسي الذي دعا الاجهزة الامنية والعسكرية لفتح الطرق» فوراً» وما تسرّب من كلمة العماد جوزف عون وقوله المُوجّه للحُكم:«أن لا فتح للطرقات بالقوّة, بعدما وضعتُم الجيش بمواجهة أهله وناسِه، لكن ـأضاف ـ مع خط أحمر وهو منع المسِّ بالسلم الاهلي». يضع لبنان على حافة «تمرّد», ليس بالضرورة ان يُفضي لإنقلاب عسكري او تفكّك المؤسسة العسكرية, بقدر ما يضع?الجميع امام مشهد اكثر تعقيداً, نظرا لهشاشة التركيبة/الصيغة اللبنانية المتآكلة بل الفاشلة. كون كل «حدث» يخضع فورا وبلا اي كوابح الى تفسيرات وخطوط حُمر طائفية ومذهبية وفئوية وجهوية مع استحضار للتحالفات الخارجية...الاقليمية منها والدولية.

اللافت في وقائع كل ما جرى في «اثنين الغضب», هو صمت المرجعيات الروحية وبخاصة الكنيسة المارونية والكاردينال بطرس الراعي, الذي قاد الدعوات الى «حياد» لبنان ثم لاحقا دعوته الى عقد «مؤتمر دولي» لحل مشكلات لبنان وبخاصة تشكيل حكومة جديدة. خاصة ان الدعوة لإسقاط رئيس الجمهورية (المنصب الماروني الأرفع) كان يُشكل لدى البطريركية خطاً احمر لا يجوز المساس به او اسقاطه تحت ضغط الشارع او المصالح الحزبية والفئوية.

الامور في لبنان سائرة الى ما هو أسوأ, اذا لم يتم لجم محاولات الانقضاض على «الخصوم» بالطريقة التي يريدها «الثنائي» الإنعزالي جعجع/الجميّل بدعم من الحريري وجنبلاط وقوى اخرى مثل لقاء سيدة الجبل. ومحاولاتهم فرض أجندتهم الرامية استقالة رئيس الجمهورية واجراء انتخابات نيابية مبكرة (وفق قانون انتخاب على مقاسهم)، ناهيك عن الدعوة الجديدة القائلة: ان اعتذار سعد الحريري عن التكليف سيكون مُقابل استقالة الرئيس ميشال عون.

kharroub@jpf.com.jo