جنود من نوع آخر في معركة لم يشهد العالم الحديث لها مثيلاً، تسلحوا بإنسانيتهم في مجابهة عدو غامض واجه البشرية بلا هوادة ولا تمهل، جنود سطروا بطولة كبيرة في التصدي لجائحة ثقيلة الظلال «جائحة كوفيد- 19»، لا يملكون رفاهية البقاءِ في بيوتهِم، فيما كان الجميع مطالباً بالبقاء على مسافة أمان لا تقل عن مترين كانوا هم يقتربون من المسافة صفر من المرضى المصابين، جنود دُشنت تفاصيل أيامهِم وعملهم ومناوباتهم ببطولات وأوسمة شرف تفخر بها الإنسانية جمعاء، إنهم جيشنا الأبيض كوادرنا التمريضية.
التمريض، هذه المهنة الإنسانيّة النبيلة التي لا يمتهنها سوى الأشخاص القادرين على حمل المسؤولية ولا يسلك ميادينها الوعرة سوى الكبار الذين يقفون في وجه الأمراض وشراستها، حماية للأرواح ومساندة للقطاع الطبي، الذي يحتاج التمريض بكافة معطياته ومفاصله، وقد يتساءل القارئ لماذا أكتب تحديداً عن التمريض؟ ولماذا لا أكتب اليوم عن الطب خاصة في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة التي يعيشها العالم ووطننا، في أزمة غير مسبوقة؟ لكنني آثرت اليوم أن يخط قلمي بعضاً من العبارات والأفكارِ النابعَة من القناعة أولاً ومن القلب ثانياً وتعبيراً عن الامتنان ثالثاً لمهنة إنسانية سامية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بصحّة الإنسان وحياته، وتخفيف مُعاناته وإحساسه بالألم، مهنة ملائكة الرحمة.
خلال جائحة «كوفيد-19»، وقع على عاتِقِ التمريضِ الكثيرَ من الجهد والعناء إلا أن هذا الجيش الأبيض أثبت وعبر التزامه بمسؤولياته أنه من الخطوط الصحية الأولى التي تحمل على عاتقها هم الوطنِ وصحة المواطن، فقد تبوأ الأردن المراتب الأولى من دول العالم التي كانت استجابتها الأكثر شدة وصرامة في تطبيق الإجراءات الوقائيّة خلال الجائحة، حيث كان التمريض فيها حاضراً يقف إلى جانب الطب يشد من أزره ويعاضده ويعاهده بأن صحة الإنسان الأُردني هي أغلى ما نملك جميعاً.
يحتضن مستشفى الجامعة الأردنية ما يزيد على (900) ممرضة وممرض، لكل منهم قصةً فريدةً من نوعها في عالمه وحياته الخاصة، لكنهم وعلى الرغم من ذلك يعملون جميعاً يداً بيد في سبيل القضية نفسها يدفعهم الهدف ذاته، ألا وهو تقديم الرعاية إلى كل من يحتاجها، مضطلعين بدور حيوي في مجال تقديم الخَدَمات الصحية في خطوط الدفاع الأمامية، يعيشونَ تجربَة جديدة غالباً ما تمتزج في إطارها وتتداخل مَعَ مجموعة مِن المشاعِرِ الإنسانية التي يختبرها المرء خلال حياته ألا وهي ثنائية مشاعر الفرح والألم.
في الأمس القريب، غيب الموت فارسة من فرسان أسرةِ تمريضِ مستشفى الجامعة الأردنية جراء إصابتِها بفايروس «كوفيد-19»، لتصل حصيلة شهداء الواجب من الكوادرِ التمريضية في القطاع الصحي الأردني إلى (6) ممرضات وممرضين، قد لا يشكلون رقماً ضمن إحصائيات المتوفين بفيروس «كوفيد-19» عبر العالم، لكنهم سيبقون رمزاً لما كان عليه العالم ذات يوم، وسيبقون قيمة روحية لما يعنيه أن تضحي بنفسك من أجل إنقاذ أرواح أشخاص لم تلتق بهم في حياتك، (6) ممرضات وممرضين كانوا صخرة عائلاتهِم وأعمدةَ أسرهم، جمعهم شغف مهنة التمريض وفيروس «كوفيد-19»، كانوا على خط المواجهة، قريباً جداً من دائرة الخطر والموت، كما جندي يفصله خندق عن مدفعية العدو، تاركين خلفهم زميلات وزملاء عاهدوا الله أن يبقوا الجند الأوفياء وأن يبذلوا قصارى جهدهم في إنقاذ أرواح المرضى ومساعدتهم.
في الختام، لابد من القول بأن الكفاءات التي نمتلكها في الجيش الأبيض تجسد بوضوح الدور الإنساني للكوادر التمريضية التي ما زالت تعمل بروح قتالية في هذه الحرب الشرسة ضد «كوفيد-19»، مضطرين لخوض غمار هذه الأزمة بالكثير من التضحيات وسط تحديات لم يسبق لها مثيل في قطاعات الصحة عبر العالم، مقدمين خدمات جلية لا تقدر بثمن، مستلهمين توجيهات قائد المسيرة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين صاحب السبق في تعزيز جهود الأردنيين العاملين في شتى القطاعات، مفتخرين بمقولة جلالته «إن مهنة التمريض، هي من أنبل المهن، على مر العصور والأزمان، تتجلى فيها كل المعاني والقيم الإنسانية الأصيلة، وتشحذ الهمم والنفوس، وتعكس الضمائر النقية لأصحاب الأيادي البيضاء، من الممرضات والممرضين الذين يعطون دون حدود، ويقدمون الخدمة النوعية للمرضى».
حفظ الله الوطن وإنسانه، ورحم شهداء الواجب وحمى كوادرنا المعطاءة، إنه سميع مُجيب.