يستحق الأردنيون اليوم الاحتفال ونحن على أبواب مئوية جديدة من عمر الدولة الأردنية، فهذه الدولة التي قدمت انموذجاً في التنوع والصبر والثبات على الشدائد، والتمسك بالوحدة، والعيش المشترك، والعروبة الأصيلة الضاربة باستقبال الاخ والشقيق المنكوب كملاذ آمن وملجأ لكل من تقطعت بهم السبل وجار عليهم الزمن، من حقها الاحتفال بعد مسيرة زاخرة بالعمل والإنجازات في حين والهزات والمكائد في أحايين اخرى، رغم كل التحديات التي لم تترك لنا المجال لأي ومضة فرح.
في مئوية الدولة، التي عَرَفتْ فترات ازدهار ونهضة اقتصادية وثقافية وحضارية، كما عرفت الازمات والشدائد والحروب، واجه فيها شعبنا تحديات جمة، نحتاج إلى فسحة فرح وأمل بمستقبل أفضل، بعد أن تخطينا بحول الله أزمة وباء قاتل انتشر في أصقاع الارض وأرهق الجميع، وأفقدنا أحبة وأصدقاء، وترك لنا ما ترك، لكن كل ذلك أصبح خلفنا وهو يشبه ذلك التحدي قبل مئة عام، عندما أُعلن عن قيام الإمارة لتشق طريقها نحو مملكتنا الحبيبة التي وضع لبِنتها الأولى أسلافنا ونحن سائرون على ذات الطريق، في تحدي اختيار طريقنا وتوافقنا على مستقبلنا كما?هُم اختاروه قبل نحو مئة عام.
من حقنا أن نحتفل، كيف لا وقد قامت مملكتنا من تحت الصفر كدولة مزدهرة، تملك مقومات وحضوراً وكلمة مسموعة في المحافل الإقليمية والدولية، احتفالاتنا هذه المرة لا يجب أن تكون عابرة أو عادية، ولتصل إلى كل قرية ومدينة وريف وبادية، وبمشاركة الجميع، الشباب والطلاب والأهالي المؤسسات، احتفال يليق بالمئوية الأولى من عُمر الدولة، نتحدث فيه عن قصة دولة لا تملك ثروات أو موارد طبيعية، لكنها تملك تاريخاً وثروة بشرية ضاربة جذورها بالقِدم والحضارة والتاريخ، والأمل بمستقبل أفضل لأبناء الوطن وللمنطقة.
على أبواب المئوية الثانية، نحتاج إلى مراجعة حساب دقيقة وصادقة، تعزز نجاحاتنا وتتجاوز اخفاقاتنا، مراجعة شاملة تعالج التراكمات والشوائب وتؤسس لمفهوم حديث ومُطور في إدارة شؤون الوطن، وتعزيز دور المؤسسات والحياة الديمقراطية والتعددية، والكفاءة كمعيار، والقانون كضامن، لنتجاوز حالة اللايقين والقلق والتوجّس، التي قد ترافق عادة مراحل التأسيس.. وليس بعد المئوية الأولى، فما ينقصنا الإيمان بقدراتنا ومكانتنا وعظمة رسالتنا.
اليوم، ونحن على أبواب المئوية الثانية، وأمام هذه التحديات غير المسبوقة، لا خيار أمامنا سوى التشبث بأرضنا وأحلامنا ولنتجاوز تناقضاتنا واختلافنا ولنعلن انطلاقة جديدة ونهضة تُخبِرْ الآخرين عن أردننا وأردنيينا وإنجازاتهم وطموحتهم وهمتهم، ولنحقق ذاتنا وننجز تطوراً شهد مثله أجدادنا الذين آمنوا بوطنهم وسعوا إلى تحقيقه، ودافعوا عنه بدمائهم وأرواحهم واموالهم وضحوا من أجله، فمهما اشتدت الصعوبات سيبقى هذا وطننا وسنبقى معاً على هذه الأرض، وكل مئوية والأردن وقيادته وشعبه بخير.