ليس ثمَّة جديد أو مفاجئ في الإعلان الذي أصدره بالصوت والصورة الرئيس الأميركي ترمب, «زَّافاً» للعالم انضمام جمهوريتي صربيا (المُستقلة والمُعترَف بها), وكوسوفو التي أَعلنتْ استقلالها من جانب واحد عن صربيا في العام 2008 ولم تعترِف بها الأمم المتحدة.
انضمام البلديْن إلى قافلة المُهرولين للتطبيع مع العدو التاريخي للأُمَّة العربية.. مُتوقّع، فالرئيس الأميركي وصهره ورهط المُتصهينين في إدارته باتوا سماسرة للدولة الصهيونية, التي يرى بعض العرب انها «باقِية وتَمدّد» وأن وقتهم حان للإعتراف بـ«الواقع» وعدم البقاء في دائرة الإنكار وإدارة الظهر للمصالح القُطرِيّة وتقديم منطق السلام والإعتراف بِـ«الآخر», بديلاً لمنطق «الإرهاب» والحروب والكراهية.
لخطاب التطبيع أن يمضي قُدماً ما دامت موازين القوى مُختلّة, لصالح معسكر المُعادين للقانون الدولي وشَرعة حقوق الإنسان والعدالة, وخصوصاً حق الشعوب في تقرير المصير, بعيداً عن الإملاءات والإبتزاز والتهديد بالاجتياحات والعقوبات, وقلب الحقائق وتنظيم الحملات الإعلامية والافتئات على حقائق التاريخ والجغرافيا. لكن المُطبعين لم يقولوا لنا
بـ«أي إسرائيل».. اعترفوا؟ وما هي حدودها؟ وهل هي إسرائيل كدولة«للشعب» اليهودي.. كما وصفَت نفسها؟ وهل أودعت خرائط حدودها النهائية لدى الأُمم المتحدة؟ أم أن حدودها ستكون مُرتبطة بما يصل إليه «بسطار» الجندي الصهيوني, كما قال بن غوريون ذات تصريح يفيض غطرسة وعدوانية؟ وفقاً لنظريته المعروفة بأنه «لا يَهم ما يقوله «الأغيار» أوما تُقرّره الأُمم المتحدة, بل المهم هو «ما يُقرّره اليهود»؟
ماذا عن كوسوفو؟.
تذكرون الحملات ذات الطابع «الديني» التي نظمها بعض العرب انتصاراً لـِ«مسلمي» كوسوفو ضد «البربرية» الصِربية, وكيف ذهب «المُجاهدون» لنصرة إخوانهم في «الدين», في محاولة منهم لإقناعنا (وهم يديرون ظهورهم لفلسطين كما فعلوا في أفغانستان) أن دولة «مُسلمة» في أوروبا سيكون نصراً للإسلام وانتصاراً على أعداء الأُمة؟، وغيرها من التُرّهات والشِعارات المُضلّلة, التي أوصلتت قضايانا إلى ما هي عليه الآن.
لست في صدد «تشريح» حال كوسوفو, لكني اقتبس من مقالة للدكتور محمد الأرناؤوط (وهو كوسوفي بالمناسبة), نشرها في موقع «درَجْ» يوم 19 أيار 2018 تحت عنوان «كوسوفو جنّة المِثليّين وبلد الإسلام المُختلف»..جاء فيها ».. إذا قارنّا ما تتعرّض له الجماعات المِثليّة التي تحاول الاحتفال بهذا اليوم، ولو بأفراد يتجرّأون على الظهور بِعلَمِهم في بلدان العالم الاسلامي، لأَدركنا فِعلاً خصوصية «الإسلام الألباني»..أو خصوصية كوسوفو, باعتبارها «جنّة المِثليّين في الدول المُسلمة». انتهى الاقتباس.
لهذا كان ترمب (كما نتنياهو) حريصاً على تضخيم خطوة كوسوفو بالتطبيع مع الكيان الغاصب, باعتبارها أول دولة مُسلِمة تنقل «سفارتها» إلى القدس المحتلة.
ما بالكم أن إسرائيل «لا» تعترف باستقلال كوسوفو, هذه الدولة «المُسلِمة المُهروِلة للتطبيع معها.
لماذا؟.
كَذبَ نتنياهو فزعم أنه احتراماً لصربيا «صديقتنا».. لكن الحقيقة انه خشي أن تكون سابِقة تنطبِق على «دولة فلسطين», في حال أقدمَ الفلسطينيون على إعلان «دولتهم المُستقلّة» من طرفٍ واحِد.
لا داعي للغضب إذاً من تطبيع دويلة مُصطنعة كهذه، بكل ما حفل ويحفل تاريخها من التباس وغموض, وخصوصاً الكيفية التي تم استيلادها فيها, بعد ان تم تفكيك «الإتحاد اليوغسلافي» بقرار أميركي/أطلسي.