كتاب

هلْ أَوقعتْ موسكو نفسَها.. في «الفخّ»؟

تتدحرج «قضية» تسمّم المُعارِض الروسي اليكسي نافلني في تسارع لافت, يعكس رغبة عواصم غربية بإستثمارها سياسيّاً والإتكاء عليها للتقرّب الى واشنطن, فيما غيرها يروم التخلّص من خصوم له في معركة وراثة زعامات على وشك إخلاء الساحة لبروز قيادات أخرى كما هي حال ألمانيا, حيث اقترب موعد تقاعد المستشارة ميركل التي وعدتْ بعدم مواصلة مهامها في العام المقبل.

فيما يستعد بوريس جونسون لإعادة إحياء رواية الجاسوس الروسي (المُزدوَج) والهارب سيرغي سكريبال, بأن موسكو (كما قالت لندن) مسؤولة عن محاولة اغتياله وتسميمه بغاز «نوفيتشوك» في العام 2018 وهو أخطر سُمُّ عرفته البشرية، كما قالت الدوائر الإستخبارية الغربية وخصوصاً الأميركية, حيث سارعت واشنطن إلى تبني الرواية البريطانية وقامت بفرض عقوبات قاسية على موسكو, رغم إنكار الأخيرة واستعدادها المشاركة في التحقيق لكن لندن رفضتْ.

تتكرّر الرواية لكن السيناريو مختلف, ويبدو صاحب القرار في السماح لطائرة ألمانية بنقل نافلني إلى مشفى ألماني متخصص, قد خانه ذكاءه أو افتقر إلى «الدهاء» والخيال السياسي اللذيْن ميَّزا «الحقبة البوتينية» منذ عقدين، وبخاصة أن تجربة سكريبال ما تزال طازجة, واحتمال خضوع برلين لضغوط أميركية/بريطانية واردة,ناهيك عن انه كان بمقدور موسكو فرض «شروطها", بمعنى المطالبة بمشاركة أطباء ومُحقيق روس تحت طائلة رفض إخراجه, وكان لهذا الرفض أن يكون ثمنه «السياسي» أقل كلفة, مما ستكون عليه تداعيات الإتهام الألماني بإمتلاك «أدلَّة قاطِعة» تشير إلى أن نافالني تعرَّض للتسميم بغاز الأعصاب.."نوفيتشوك».

يكاد السيناريو الألماني الجديد الذي تبنّاه الغرب الأوروبي/الأميركي فوراً, يُطابق السيناريو الذي أعدته حكومة رئيسة الوزراء السابقة تيرزا ماي ولاحقاً جونسون, وها هي المستشارة الألمانية تُعلن «بنفسها»: أن النتائج التي تم التوصّل إليها تُثير"أسئلة جديّة للغاية، بإمكان روسيا وحدها بل ويتعيّن عليها الإجابة عنها». كما قالت

قضية نافلني دّخلت مُربع «التدويل» بحماسة وتحريض غربيّين..أميركي وأوروبي وخصوصاً أطلسي (بمعنى باتت جزءاً من جدول أعمال حلف شمال الأطلسي)، ما يعني أن النيّة معقودة على مُعاقبة روسيا عبر فرض عقوبات جديدة عليها, دون الأخذ في الإعتبار موقف موسكو الرافض للإتهام والداعي الى تقديم الأدِلّة ومنح الفرصة لتحقيق مُشترك روسي ألماني للوصول إلى الحقيقة.

يبقى تساؤل أكثر أهمية ربما..هل كان أصحاب القرار في موسكو على هذه الدرجة من السذاجة, ليقوموا بِـ«تسليم» مَنْ يُتهَموا بأنهم سمّموه بغاز الأعصاب «نوفيتشوك», وليمنحوهم فرصة ذهبية «جديدة» لمواصلة شيطنتهم, وتشويه سمعتهم وتعريض مصالحهم للخطر, وبخاصة أن خط «نورد ستريم2» الذي تُحاربه واشنطن وتفرض عقوبات عليه, بل وتواصل الضغط على برلين لإلغائه رغم أنه أَوشكَ على الإنتهاء.

في جوهر المشهد.. يبدو أن موسكو أَوقعتْ نفسها في «فخ» غربي, كان بمقدروها تلافيه لو أنها واصلت سياسة الحيطة والمزيد من اليقظة والدهاء,واستخدام «راداراتها» السياسية والدبلوماسية بل والجاسوسية في تعاملها مع الغرب, الذي لن يغفر لها عودتها لمواجهتِه, بعد أن ظن أن روسيا قد تحوّلَت إلى دولة من «العالم الثالث» لا تُقدِّم للعالم سوى «النفط والسلاح» كما قال باراك أوباما في..إستعلاء وغطرسة.

kharroub@jpf.com.jo