أخذت الاحتجاجات الغاضبة في إقليم كردستان العراق منحى تصاعدياً وأكثر عنفاً, ينذر – إذا ما تواصَل – بخروج الأمور عن السيطرة, وبخاصة بعد انعكاس تداعياتها على علاقة الحزبيْن الحاكِميْن, أو اللذيْن يتقاسمان «كعكة» السلطة, رغم ما بينهما من خلافات سياسية وأخرى «تاريخية», بمعنى منذ تمرّد الراحل جلال طالباني على المُلاّ مصطفى البرزاني سبعينيات القرن الماضي وأقام حزباً أسماه «الاتحاد الوطني»، في انشقاق أفقي وعامودي (حزبي وعشائري تقريباً) عن «البارتي» (الحزب الديمقراطي) وجناحه العسكري «البيشمركة» التي كانت تُقاتل بغد?د.
مطالب الجمهور الكردي معيشية واجتماعية لا وجه سياسياً لها, رغم محاولات أحزاب المعارَضة وبخاصة «حِراك الجيل الجديد", الذي نجح في استقطاب جمهور لا بأس به, وكانت احتجاجات تشرين الأول الماضي فرصة له لاستقطاب المزيد من جمهور بدأ يجهر علانية بمواقفه الرافضة هيمنة الحِزبيْن, ويرى في ما يحدث بينهما من توترات وخلافات سياسية صراعاً على زعامة الإقليم, أكثر منها خلافات سياسية أو اختلاف على البرامج والسياسات الاقتصادية, بعد تدهور الأحوال المعيشية والاقتصادية والخدمية, والتي لا يمكن تحميل مسؤولياتها سوى على الحزبين وليس ?احداً منهما, أو الذهاب بعيداً نحو حكومة بغداد لإتهامها بالعمل على تمزيق وحدة الإقليم وزرع الخلافات بين أربيل والسليمانية.
هل قلنا السليمانية؟.
نعم...فالاحتجاجات الغاضبة التي اتخذت منحى «أكثر عنفاً», طال المؤسسات العامة والأملاك الخاصة, ومواجهات بين قوات الأمن والجمهور انطلقت من السليمانية معقل الاتحاد الوطني كذلك من «حلبجة», ونددت الشعارات التي رفعها المتظاهرون بالحزبين, واحتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية وما وُصِف بتلاعب حكومة الإقليم في قوت الموظفين والمتقاعدين, كذلك رفضاً للفساد وعمليات تهريب النفط التي تصب في المصالح الحزبية.
يمكن رصد مُهاجمة وإحراق مقار حزبية في السليمانية, وفي ضمنها مقر البارتي (الحزب الديمقراطي/بارزاني), الأمر الذي دفع بقيادة الحزب في أربيل تحميل قوى كردية «مُعارِضة» مسؤولية تأجيج وتحريض المتظاهرين على خطوات غير سلمية, ما انعكس ضمن أمور أخرى على علاقة الحزبيْن الحاكِميْن, حيث سعى الاتحاد الوطني/طالباني إلى النأي بنفسه عن«حكومة الإقليم», داعياً إلى التعاطي المُباشر مع حكومة بغداد في شأن تسليم عائدات النفط لها, مقابل قيام الحكومة المركزية بتسليم كل محافظة في الإقليم مخصصاتها من الميزانية المركزية, وليس إلى الح?ومة المركزية.
لن يكون مفاجئاً والحال هذه تدهور العلاقات بين السليمانية واربيل, أو حزب الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي, وارتفاع منسوب التوتر والاتهامات المتبادلة بينهما, على نحو يُعيد الأمور إلى فترة التسعينيات عندما تدحرجت الخلافات إلى المواجهة العسكرية المُدمِرة, وهو وإن كان احتمالاً ضعيفاً هذه الأيام, إلا أن الافتراق بينهما لن يصل حدود الطلاق في ظل شعارات يرفعها الجمهور وتساندها أحزاب وهيئات مُعارِضة, تنادي بـ«إنهاء حُكم العائلات في الإقليم». ما قد يدفعهما للتضامن ولو مرحلياً لصد المَوجة الراهنة التي تبدو أقوى من ساب?اتها, حتى تلك التي تلتْ «إفشال» استفتاء 25 أيلول2017، واضطرار الرئيس مسعود بارزاني للاستقالة, بعد تحميله مسؤولية هذه «الخطوة» غير المدروسة, التي عادت على «المسألة» الكردية بالخسارة واهتزاز الثقة الشعبية بالقيادة.