ليس ثمَّة ما يوحي بأن السلام يقترب من الهضبة الليبية, بل حتى وقف النار الذي أعلنه فايز السرَّاج من جانب واحد (ما يدفع لمزيد من الشكوك) لن يكون في متناول اليد، إذا ما صدّقنا التصريح المفاجئ والمُتأخِّرالذي خرج به الجنرال (ما أكثر الجنرالات في بلاد العرب) أحمد المسماري, وصف فيه مبادرة سلطات طرابلس (يقصد حكومة السراج) لوقف النار بأنه تضليل للرأي العام, قائلاً: إن حكومة الوفاق وتركيا قرَّرتا شن هجوم على سِرتْ.
ولأن المسماري هو الناطق باسم الجنرال حفتر، فإن ذلك يعكس ضمن أمور أخرى, موقف الأخير الذي فقد جزءاً من هالته وخصوصاً مكانته, بعد الهزائم التي لحِقت بقواته وأجبرته على التراجع إلى تخوم المنطقة الشرقية (سرت والجفرة) بعد أن كان على أبواب طرابلس، وبذلك تكون الأيام الثلاثة الأخيرة التي سادت فيها موجة تفاؤل مُفاجِئة, قد بدت كالسّراب الذي يُداعب رهط عابِري الصحراء الليبية في نهارات القيظ, الذي يعرفه أبناء الصحراء في بلاد العرب المُتصحِّرة في معظمها, خصوصاً تَصحُّر «عوالِم» السياسة والاقتصاد والحريات العامة والحكم ا?رشيد وحقوق الإنسان, وفي مقدمتها حرية التعبير ووسائل الإعلام والمساواة وتكافؤ الفرص وبخاصة حقوق المرأة.
الجنرال المسماري زعم أن مبادرة حكومة السراج لا تعدو كونها تضليلاً للرأي العام المحلي والدولي، للتغطية على «نواياهم الحقيقية» بشأن الوضع الليبي، بل لم يتردّد في «تأكيد» أنه «رَصدَ سُفناً وفرقاطات تركية تتقدم نحو سِرت, وهي الآن في وضع هُجومي..وإذ ليس هناك ما يؤكد مزاعم المسماري المعروف بتصريحاته النارية (إقرأ العنترية), فضلاً عن غياب المنطق واحترام عقل المتابع لتصريحاته, فان من السذاجة الاعتقاد أن حفتر الذي يقف خلف «مضامين» كل ما جاء في تصريحات الناطق باسمه, كان يستهدف فقط تبديد مسحة التفاؤل العابِرة, التي س?طرت على أجواء الأزمة الليبية المتمادية فصولاً والتي باتت ساحة تُنذِر نتائج المواجهات المُتوقعة, سِلسلة من المعادلات والاصطفافات ذات الأبعاد الاستراتيجية, ستحسِم الصراع على ثروات وتحالفات منطقة البحر المتوسط وخصوصاً في «شَرقِه».
يقول المسماري: مُبادرة حكومة السراج «كُتِبَتْ في عاصمة أخرى»، والمُخطّط أكبر من حكومة الوفاق, حيث الذي اتّخذ القرار بالهجوم على سِرت هو وزير الدفاع التركي أكار، ما يعني أن الميادين جاهزة لمعركة مصيرية, قد يترتب عليها إذا ما اندلعت وتم حسمها، انتصار مدوٍ لأحد الفريقين (ليس المقصود حفتر أو السرَّاج) بل تلك الدول والأحلاف التي تدعم طرَفَيّ الصراع, ويدفع أكلافها الليبيون أنفسهم من مستقبل أبنائهم وثروات وطنهم.
الذين يكتبون جدول الأعمال الوطني لليبيّين, لم يعودوا على تلك الثقة التي كانوا عليها عندما انخرطوا في حروب النفوذ/الهيمنة, ولم يرفعوا عيونهم عن ثروات ليبيا وأرصدتها المالية, ناهيك عن موقعها الجيوسياسي الذي بات «هدفاً» لكل حالم بالزعامة, رغم افتقاره قدرة لعب أدوار كبيرة كهذه.
مؤسف ما قيل عن وقف للنار وتحويل سرت إلى منطقة منزوعة السلاح, وعاصمة للحكومة الاتحادية والرئاسة التي ستُشكّل بعد انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة. لم تكن سوى محاولة بث تفاؤل تبدّد.
kharroub@jpf.com.jo
من يكتب لـ«الليبيين».. جدول أعمالهم الوطني؟
11:23 24-8-2020
آخر تعديل :
الاثنين