كتاب

ما تأثير قرار «المحكمة الدولية» على أزمات لبنان المُتمادِية؟ 

اليوم.. تُصدِر المحكمة الخاصة بلبنان قرارها في قضية اغتيال رفيق الحريري بعد أزيد من ثلاثة عشر عاماً على إنشائها, بكل ما رافق تحقيقاتها من تذبذب وتسييس وتناقض في توجيه الاتهامات, بدءاً من تحميل المسؤولية الى سوريا, الى ان استقرّت على حزب الله، على نحو بدا واضحا خضوعها لاعتبارات وضغوط سياسية ليس فقط في الفضائح التي نشرتها الصحافة الاجنبية وصِلات المحققين بأجهزة استخبارية غربية, بل ايضا في رغبتهم تقويض الاجهزة الامنية اللبنانية ذاتها, عندما زجّت بالضباط الاربعة في السجون لاربع سنوات, ما لبثت ان اطلقت سراحهم لانعدام «الأدِلّة», التي جَهِدت جهات سياسية وحزبية لبنانية وعربية واسرائيلية تحميلهم اياها, أملاً بتوظيفها سياسيا وإسهاما في تغيير خرائط المنطقة, بعد بروز مُؤشرات على فشل الغزو الاميركي للعراق بفعل ضربات المقاومة العراقية, وخصوصا بعد الهزيمة المذلة التي لحقت بالعدو الصهيوني في حرب تموز 2006.

يأتي قرار المحكمة اليوم في ظل اجواء لبنانية مأزومة ومُحتقنة ومفتوحة على احتمالات وسيناريوهات عديدة، رغم التراجع النِسبي في منسوب المظاهرات والاحتجاجات التي وقفت خلفها قوى سياسية وحزبية, ارادت إستثمار الإنفجار المروع الذي ضرب ميناء بيروت، وحاولت جهدها - بلا طائل - إسقاط الجنرال عون ظنّا منها ان استقالة حكومة حساب دياب فتحت الطريق وزادت من الضغوط لتحميل رئيس الجمهورية مسؤولية ما حدث, في الوقت ذاته الذي لم تتوقّف فيه عن الدعوة لاجراء انتخابات مبكرة تُمني نفسها بان تأتي نتائجها في غير صالح الاغلبية البرلمانية الحالية.

لم يُكتبْ لهذه الضغوط التي تشارك فيها مرجعيات دينية لبنانية وعواصم عربية وأخرى غربية وخصوصا اميركية النجاح حتى الآن، وبخاصة الدعوة لإجراء انتخابات نيابية مبكرة حتى بعد استقالة (8) نواب, وتلويح كتل برلمانية بالاستقالة الجماعية, خاصة بعد حسم الجنرال عون انه باق حتى نهاية ولايته (بعد عامين), خِشية حدوث فراغ دستوري لا يعلم احد الى اين ينتهي.

قرار المحكمة الخاصة التي كلّفت الخزينة اللبنانية اكثر من 700 مليون دولار, واستغرقت تحقيقاتها مدة طويلة وتعاقَب عليها اكثر من 400 قاضٍ, لن يكون له التأثير الذي راهن عليه كثيرون عندما ضغطوا باتجاه قيامها بغطاء دولي، ليس لان المدة الزمنية لصدور القرار قد طالت وليس لأن لبنان في العام 2005 عام إغتيال الحريري ليس لبنان اليوم, حيث توالت النكبات وفضائح الفساد حدود إفلاس الدولة واحتمالات انهيارها, وانما ايضا لأن أجندة اللبنانيين وهمومهم اختلفت, وباتوا منشغلين بقضاياهم الحياتية والمعيشية, بعد ان «كفروا» بكل الطبقة السياسية والحزبية الفاسدة التي اوصلتهم الى هذه المآزق والأزمات المُتدحرِجة.

في السطر الأخير نحسب ان «وليّ الدم» سعد الحريري، بات اليوم اكثر واقعية في التعاطي مع هذا الملف المُعقَّد والمُثقل بالتسييس, ويدرك ان استقرار لبنان وعدم ذهابه الى ما هو أسوأ, افضل وأجدى من إعادة مناخات التحريض وشد العصب الطائفي والمذهبي..لهذا نتوقّع ان يكون رد فعله أقل تشنّجاً وأكثر عقلانية, مما يتوقّع المتربصون والنافخون في كير حرب أهلية جديدة يعملون على إشعالها.

kharroub@jpf.com.jo