يتواصل سيل التكهُنات المحمول على قلق وقراءات عديدة, معظمها مُتبايِن وقليلها يُبدي تفاؤلاً حذِراً باحتمال توصّل موسكو وأنقرة إلى حل وسط, يحول - ولو مؤقتاً - دون تصعيد عسكري خطير بينهما, يصعب كثيراً توقّع نتائجه وبخاصة أن أنقرة التي تشعر ببعض النشوة وربما فائض قوة مُتوهّمة, بعد «انتصارات» حليفها الليبي/ «الإخواني» فايق السراج، بعد ان بادرت الى إلغاء (او عرقلَة) الاجتماع عالي المستوى, الذي كان يستعد رئيس الدبلوماسية الروسية المُخضرم لافروف ووزير الدفاع موضع ثقة الرئيس بوتين المطلقة الجنرال شويغو, لعقده مع نظيريهما التُركييْن تشاويش اوغلو والجنرال خلوصي آكار. الأمر الذي سينعكس بالتأكيد على مستقبل العلاقات بينهما إذا لم يتم رأب الصدع الآخذ في الاتساع والمرشح ان يترجم في «الميادين».. إن في إدلبّ السورية حيث تتدفّق التعزيزات العسكرية الضخمة على مساحة ما تبقّى من محافظة إدلب في يد الجماعات الإرهابية, حليفة جيش الاحتلال التركي وآداته في تأزيم المشهد, أم في ليبيا حيث ترسم تركيا وتُحدِّد الخطوط الحمراء, وهي التي ترفُض وقف إطلاق النار, كما تشترط لِـ«موافقتها» على وقف النار انسحاب قوات حفتر حتى بنغازي, بما يعنيه ذلك من سيطرة تركية (مَجّانية وبلا قتال) على مدينة سرت وقاعدة الجفرة الاستراتيجية في الشرق الليبي, وخصوصاً دائماً في وضع يدها على الهلال النفطي, لتزيد من كم وحجم الأوراق الاستراتيجية التي تتوفّرعليها في ذلك البلد العربي المنكوب, بعد تواتر الحديث عن طلبها من حكومة السراج أن يكون لها وجوداً دائماً في قاعدة الوطِيّة الجوية (غرب البلاد) وقاعدة بحرية في مدينة مصراتة، الأمر الذي يمنحها مكانة استراتيجية أقوى, تسمح لها بمقارعة من تريد والتمدّد في شمال إفريقيا بخاصة بعد ان أمّنتْ لنفسها قاعدة مُهمة قرب باب المندب, ونقصد قاعدتها العسكرية في الصومال المنكوب هو الآخر.
في أسباب تأجيل اللقاء الوزاري الرباعي الروسي/ التركي, التزم الجانب الروسي الصمت, فيما «تبرّعت» الصحف التركية الموالي منها لحكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم ام الدائر في فلكها، بإيراد أسباب ومبررات تكاد تكون «نسخة» واحدة مكررة في صحف عدّة, تتحدث عن «رفض» تركي لوقف النار, كما تخوض في تفاصيل تستبطِن في معظمها شعوراً بالانتصار ورغبة في كتابة جدول الأعمال,على النحو الذي أوردته صحيفة «حُرييت» التي لم تتردّد في القول: إن الفترة المُقبلة ستُركزّ على مبدأ «أن مَن يكون أقوى مَيدانياً، يكتسِب القوة على الطاوِلة».
ما يعني ضمن أمور أخرى, سقوط الذريعة التي كررتها الصحيفة نفسها بالاضافة الى صحيفة «يني شفق» اللتين تحدثتا عن «مُحاولة روسية لكسب الوقت من أجل حفتر» عبر إصرارها (موسكو) على اعلان وقف النار, الامر الذي رفضته انقرة واضعة شروطاً (بل خطوطاً حمراء) مثل العودة الى اتفاق الصخيرات (2015), مؤكدة (أنقرة) في الوقت ذاته: انها «لا تثِق بحفتر» ما يستدعي ان تكون هناك (شروط لوقف النار.. عادلة وقابلة للتنفيذ», وان المحادثات الليبية - الليبية يمكن إجراؤها في «اطار الامم المتحدة او مؤتمر برلين». الامر الذي وجدت فيه موسكو ان لا فائدة من عقد اللقاء الذي أُعلن عنه فقط قبل (24)ساعة من موعِده، ما حال دون لافروف وشويغو والهبوط في انقرة.
في السطر الأخير.. بصرف النظر عن الخلاف التركي/ الفرنسي المُتصاعد والمًتدحرِج, والذي وصل ذروته تلويح باريس بطرح الموضوع على «حلف الناتو», لمناقشة موقف تركيا العدواني (وفق وصف مسؤول في الرئاسة الفرنسية), وبخاصة في استمرار انقرة خرق حظر السلاح الى ليبيا الذي فرضته الامم المتحدة في وقت سابق، فان التوتّر الحالي بين موسكو وانقرة مُرشح للتصاعد, ليس فقط في حال «ركبت» انقرة رأسها وأصدرت أوامرها للسراج باقتحام مدينة سرت, وانما ايضا في عدم تسامحها (موسكو) مع اي محاولة تركية لاستثمار بدء تطبيق قانون قيصر الأميركي ضد سوريا وافتعال معارك في إدلب، او عقد صفقة مع المُحتلّ الأميركي في سوريا, يسمح لها بادخال بيادقها الكُرد (المجلس الوطني الكردي العضو في إئتلاف المعارضات) في ما يسمى «الادارة الذاتية» التي تُديرها «قسد» بدعم اميركي, ما يمنح انقرة أوراقاً «جديدة», ويرفع من خطر تهديدها للشمال السوري التي لا تخفي رغبتها في تتريكه وفرض تداول عملتها (الليرة التركية) في المناطق السورية المحتلّة, ولاحقاً «اقتطاعه» من مساحة الدولة العربيّة السوريّة.
kharroub@jpf.com.jo
عن التوتّر «المُتصاعِد» بين موسكو وأنقرة
10:13 17-6-2020
آخر تعديل :
الأربعاء