لبنان في عين العاصفة.. ليس في الأمر مبالغة, فالاستقطاب بين النخب السياسية والحزبية بلغ ذروته, ولم يعد بمقدور أحد التراجع عن المواقف التي اتّخذها, وبخاصة بعد الاصطفاف الطائفي/المذهبي الذي تجلّى ضمن امور اخرى, في دخول بطريرك الكنيسة المارونية على خط دعم حاكم مصرف لبنان الشاغل لوظيفته منذ 27 عاماً, ودار الفتوى (السُّنية) باحتضان ودعم خصوم رئيس الحكومة "السُّني" حسان دياب، وبخاصة تبنّي وجهة نظر سعد الحريري ونادي رؤساء الحكومات السابقين وعلى رأسهم فؤاد السنيورة, على نحو أشار فيه حضور دار الفتوى ان حسان دياب مشارِك في محاولة "إلغاء السُّنية السياسية", وهو مصطلح نحته وزير الداخلية الأسبق نهاد المشنوق لاول مرة, بعد ان كان مصطلح "إلغاء الحريرية السياسية",هو عدة الشُغل التي تمسّك بها تيار المستقبل بزعامة الحريري الابن لإبداء "مظلوميته" المزعومة وشد عصبية انصاره مذهبياً, ما أعاد المشهد الى ما كان موضع اتهامات وتراشق القرن الماضي وقبل اتفاق الطائف عام 89 واتهامات الانعزاليين في حزب الكتائب والقوات اللبنانية للحركة الوطنية اللبنانية بسعيها إلغاء "المارونية السياسية".
قد يكون اليوم/الثلاثاء حاسماً في تقرير مستوى وجدية ومدى الخطوات التي ستتخذها الحكومة اللبنانية في اجتماعها, الذي على جدول أعماله "بندان" فقط...الاول:هو اتخاذ تدابير آنية وفورية لمكافحة الفساد واسترداد الاموال المنهوبة, والثاني:طرح مشروع قانون "مُعجّل" يتعلق باسترداد "تحاويل" الاموال الى الخارج التي جرت بعد 17/10/2019 (وهو تاريخ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في لبنان والتي وصفها البعض بمن فيهم الثلاثي جنبلاط، جعجع والحريري بأنها...ثورة).
ناهيك عن مضمون البيان المنوقع صدوره عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة, الذي سانده البطريرك الماروني و الحريري ودعمه تيار المستقبل وجنبلاط، وما إذا الرجل الذي "ثبت" انه عابر للحكومات وعصي على الإقالة او المحاسبة, والرافض الاستجابة لمطالب الحكومة تزويدها بقائمة الاموال والشخصيات/الشركات التي قامت بتحويل الاموال (وبالدولار) الى الخارج بعد 17/10/2019، إن كان سيُبدي (في بيانه اليوم) استعدادا لفتح المصرف وملفاته لتدقيق شركات محاسبة دولية؟ ام سيُواصل رفضه ويتحدّى حكومة دياب, مستنداً الى دعم داخلي مُعلن بأبعاد طائفية وخارجي (اقرأ اميركي).
السجال على أشدّه, وكل الذين تحسّسوا رؤوسهم بعد البيان الذي تلاه حسان دياب الاسبوع الماضي, مُحمِلاً حاكم مصرف لبنان مسؤولية انهيار الليرة اللبنانية مقارنة بالدولار, ودعوته إياه للخروج على اللبنانيين شارحاً لهم ماذا يحدث؟ ولماذا واصل تطمينهم بأن "الليرة في أمان" ليكتشف الجميع ان حسابات المُودعين تبخّرت او هي في طريقها الى ذلك..واعداً (دياب) بان احد لن يمكنه التهرّب من المساءلة.
هؤلاء.. الذين استهدفهم دياب بدأوا حملة مُركزة شَرسة وقاسية عليه, بين مَن اعتبره "لا شيء" كوليد جنبلاط, وبين من رأى فيه "تابعاً" لرئيس الظل (الحريري قاصداً انه تابع لصهر رئيس الجمهورية جبران باسيل), وهناك من ذهب بعيداً في تحميل حزب الله مسؤولية ما يحدث وان الحزب يريد إلغاءه (جنبلاط), بل طالت دياب حملة عنصرية/استعلائية اطلقها احد اتباع جنبلاط وهو الوزير السابق وائل ابو فاعور, عندما قال في غطرسة: "سُلالة رؤساء الحكومات في لبنان، لطالما كانت (عالية المَقام), ولم يمر علينا تاريخياً أن كات في موقع المُستلَب والمُستتبَع كما هو اليوم".
هذا الهبوط الاخلاقي والسياسي في السجالات الدائرة الان, يدفع للاعتقاد بأن الخطوة التي اقدم عليها دياب (السُني القادم الى موقعه من بيت بيئة متواضعة حاملاً شهادة الدكتوراة في التكنولوجيا وعلوم الحاسوب والاستاذ في الجامعة الاميركية ببيروت)، خطوة كهذه أزعجت بل هدّدت بفضح النخبة السياسية/الميليشاوية السابقة وأمراء الحرب والإقطاع واوشكت (إذا ماواصل دياب تمسكه بمواقفه, بدعم من رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر وحزب الله) على إسقاطهم شعبياً وسياسياً. الامر الذي سيقاومه هؤلاء وسيُحرضون جمهورهم "مذهبيا وطائفيا للخروج الى الشارع لاسقاط حكومة دياب وإحراج رئيس الجمهورية ربما إسقاطه، وعندها قد تخرج الامور عن السيطرة, ويذهب لبنان الى المجهول او يستعين هؤلاء (المُعارضون لحكومة دياب ورئيس الجمهورية وحزب الله) بحلفائهم في الخارج, ويدخل لبنان مرحلة مُتدحرِجة من الفوضى.
kharroub@jpf.com.jo
ملف الفساد ومصير "حاكِم المصرف".. يُشعِلان لبنان
12:30 28-4-2020
آخر تعديل :
الثلاثاء