محك الشدائد، وبريق الذهب
01:15 3-4-2020
آخر تعديل :
الجمعة
أولاً:
عندما حدثتني قريبتي السبعينية قبل عشرة ايّام عن رغبتها بالتبرع بعشرين ديناراً لوزارة الصحة وانا اعلم ان المبلغ هو اكثر من عُشر راتبها الذي تتقاضاه من الضمان الاجتماعي،تركتها تنتظر إجابتي في حين حملتني الذاكرة إلى محطات شدائد عاشها الاردن فيما مضى وكانت كل واحدة تكشف نبل جوهر هذا المجتمع الأردني.
ذاكرة الآباء والأجداد حدثتنا عن شدائد بدء كينونتنا السياسية بذرة للدولة القومية، مروراً بنكبة عام ١٩٤٨ ومعادلة رباط المهاجرين والانصار الأبدي ، ثم الى ما ترقبه ذاكرة صبانا من شدائد : عدوان ١٩٦٧ وتكافل ابناء الوطن واحتضانه لموجة نزوح أخرى ... وتتوالى الشدائد فيكون تكافل ابناء الشعب الواحد عام ١٩٩٠/١٩٩١ الامتحان الأقسى ، ليتبعه شدائد أخرى عام ٢٠٠٣ثم مع بدء الخريف العربي عام ٢٠١١الذي تجاوزناه بحسنا بمكامن الخطر، ثم تلك الضغوطات السياسية والاقتصادية التي كانت تهدف الى زحزحتنا عن ثوابت وطنية لم تجد منا الا لاءً صلبة، والآن تواجهنا شدة من عدو لا تبصره اعيننا ويستهدفنا مع كل البشرية ، فها نحن نجد أنفسنا مستجمعين قدرتنا لمواجهته .
لقد اثبت شعبنا الاردني بمعادلة تكوينه القومي وقيادته المنفتحة معه ومع العالم اجمع، ان لديه تميزاً أهله فعلاً ان يتجاوز المطبات والصدمات والمصاعب، خاصة خلال العقد الأخير .
لقد أثبتنا ان الذهب لا يصدأ، والغبار لا يضير جوهره، والشدائد تصقله فتزيده لمعاناً ورونقاً وجمالا...
ثانياً:
اللوحة الاولى: التكافل في الشدائد والتلقائية في المسؤولية المالية لمواجهة الكلفة العالية لحربنا مع فيروس الكورونا المستجد، تبرعات مستمرة من كل اطياف الدولة وزارة ومجلسي أعيان ونواب ونقابات معلمين ونقابات اخرى، وبنوك ورجال اعمال وافراد ، فهؤلاء كلهم يعترفون ان رزقهم من تراب الوطن، ولفتني ايضاً هبة رجال الاعمال الاردنيين من خارج الوطن بتبرعات سخية، ويقيني ان تلك اللوحة ستكتمل بانضمام بعض جالياتنا الاردنية في الخارج لدعم ارض الآباء والأجداد .
اللوحة الثانية: الحس المتنامي بالمسؤولية الوطنية ، قيادة هاشمية وضعت موروثها باعتبار الانسان أغلى مانملك تطبيقاً لا تنظيراً، فاستنهضت همم الجميع بمتابعتها الدؤوبة، فبات الجميع كخلية نحل يعملون بانضباطية من اجل صون الوطن وإنسانه ومستقبله، وبعض الجهل والمنغصات لم يمنع المجتمع كاملاً من الارتقاء الى مستوى المسؤولية، فيردع من يشذ عن مسيرة العطاء ويعيده الى طريق الصواب، حيث لا بد من تحقيق شروط الانتصار .
الجيش الصحي الأبيض حكومة وخدمات طبية وقطاع خاص، يتوحدون في حس من المسؤولية اثار إعجاب الجميع وجيشنا العربي وقواتنا الأمنية ، لتحقيق انضباطية قواعد معركتنا لتحقيق اسباب انتصارنا.
اللوحة الثالثة: وحينما يستهدف العدو الفيروسي البشرية جمعاء، لا يمنعني اعتزازي بأردنيتي وقوميتي من ان انظر الى الخريطة فلا ابصر الا كرة أرضية تختفي فيها الحدود السياسية ، فالحد الأدنى من استهداف البشرية يستدعي ان تنتصر شعوب الارض لانسانيتها ، واذا لم تستطع البشرية ان تتعلم درساً جديدا يهذب العلاقات الدولية لاحقاً ويجعلها علاقات تعاون بدل ان تكون علاقات قوة وبطش وظلم . فإن العقل البشري يكون للاسف قاصراً عن استيعاب درس المعاناة الحالية الذي يمكن ان يتكرر مستقبلاً لا سمح الله.
هذه اللوحة اكتملت بجمالية متناهية الإبداع في الطريقة التي تعامل فيها الاردن (( برغم ظروفه الاقتصادية الصعبة )) برعاية كل من يعيش على ارضه او يستضيفه، الكل ابناء إنسانية واحدة ننتمي اليها وهي مستهدفة ، تميزنا باننا اذبنا ال ( أنا ) ب( نحن ) وأعطينا تعريفاً لنحن بانها تعني البشرية جمعاء، فتكاتفت جهودنا ايضاً مع دول اخرى لتبادل المعرفة العلمية للتعامل مع وباء يستهدف الانسان أينما كان.
نعم، نعتز بما لدينا، وما ننجز ، ونعلم ايضاً ان اعتزازنا لا يعني ان تأخذنا العزة بالنفس، فننسى أن علينا الانتباه للإصلاح دائماً وتصويب الأخطاء وازالة الغبار... ليبقى الذهب برّاقاً.