كتاب

عندما تهاجم الفيروسات الإنسان

تاريخياً، كانت البشرية تتعرض للأوبئة الناتجة عن البكتيريا والفيروسات. وفيروس الكورونا يشكل إحدى مراحل الهجوم على الجنس البشري. بينّت الحفريات أن بعض الزواحف أُصيبت بهشاشة العظام قبل 200 مليون سنة بسبب بعض الطفيليات. ويعتقد ر. هار Hare R. في كتابه Pomp & Pestilence "العظمة والوباء" بأن الإنسان ابتدأ بالتعرض إلى الطفيليات عندما استقر في تجمعات بشرية (إنشاء القرى) وذلك في العصر الحجري الحديث قبل 18000 – 8000 ق.م.

بينت الدراسات التاريخية أن الأوبئة التي تتعرض لها البشرية تؤدي إلى تغيرات في نمط الحياة الاجتماعية والأساليب الاقتصادية، والتي لغاية الآن لم يلتفت اليها الباحثون، حيث أن الاهتمام كان دوماً مركزاً على النواحي الطبية وطرق المكافحة لهذه الأوبئة. تؤدي الأوبئة إلى تزايد الوفيات، ومن الملفت للنظر أن بعض الدراسات الاقتصادية بينت أن هناك علاقة تشابكية بين معدل الوفيات وسعر القمح. ويتأثر متوسط عمر الأنسان وحياته الاجتماعية بعاملين، وهما: إنتاج الغذاء والأوبئة. من هنا تنبع أهمية إجراء الدراسات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع وتأثير وباء الكورونا عليه. فلا يكفي أن نتوصل إلى اللقاح الفعّال ونهزم الوباء وننسى دراسة التأثيرات التي خلّفها على الأفراد وحياتهم الاجتماعية ونمط الاقتصاد السائد.

فمن الآثار الاجتماعية التي نأمل أن تتجذر في المجتمع هي عادة التقبيل، فلا يكفي أن نمتنع عن هذه العادة الآن بل يجب أن تصبح نمطاً في العلاقات الاجتماعية، خاصة أننا كنا نحضن الشخص ونقبله عددا من المرات تعبيراً عن الحب ومتانة العلاقة. أما النظافة والمتعلقة بغسل الأيدي فيجب أن تصبح عادة عند الجميع، ما أن يدخل البيت حتى يذهب فوراً ويغسل يديه بالماء والصابون، وبالمناسبة، فإن هذه عادة متجذرة عند الايرلنديين. ولا بد لعادة غسيل اليدين أن تترافق مع عادة لا زالت بعيدة عنا وهي خلع الأحذية عند دخول المنزل حتى لا تنتقل الجراثيم والأوساخ من الخارج إلى الداخل. عادة، خلع الأحذية هي ممارسة طبيعية في كثير من الدول (أميركا وكندا ودول أوروبا)، وتعجبت عندما وجدت دولة تشابهنا في عاداتنا، وأعني تركيا، أن الشخص هناك يخلع حذاءه عند دخول البيت ولو كان ضيفاً. ونذكّر، بأن هذه العادة كانت متبعة في القرى والبوادي حيث أن الشخص الذي يدخل المضافة كان ينزع حذاءه عند الباب ويدخل حافياً، ومع الزمن تلاشت هذه العادة عندما أصبحنا نجلس على كراسي وكنب.

ولا بد أن نشير إلى بعض الظواهر المرافقة لانتشار الأوبئة وهي سرعة انتشار الإشاعات والمعلومات المضللة حيث لدى الإنسان شعور غريزي بأن الأخطار عندما تداهم مجتمعاً فإنه يفقد الشفافية وبالتالي يلجأ إلى قنوات بث الأخبار المريعة، وتكون النتيجة زيادة الهلع في المجتمع وارتفاع الخوف والذي يؤدي إلى التهافت على المواد الغذائية، وهذه ظاهرة عالمية، حيث حفلت المواقع ببث صور الرفوف الفارغة في محلات السوبر ماركت في لندن والمدن الأميركية وغيرها من الدول.

haniob@gmail.com