كتاب

قومية الاْردن الهاشمي وشهامته

عندما كنت اتابع اللعبة السياسية و(مماحكاتها) بين تركيا وبعض الدول الأوروبية حول قضية اللاجئين السوريين والتي وصلت للأسف مؤخراً الى تحويل اللاجئ الى سلعة سواء على الحدود مع اليونان وكرواتيا، أو إلى مقاتل مرتزق في ليبيا، حينها أحسست بألم شديد لأن مجموعة المفاهيم والقيم الإنسانية الحضارية المتفق عليها، والتي كانت أساس قواعد القانون الدولي الإنساني وادعاءات (التمدين) باتت مهددة بممارسات ما بعد سقوط الأقنعة.

لا أريد الدخول في تفصيلات المواقف والأهداف السياسية للدول أطراف الأزمة التركية الأوروبية، ولكني في ذات الوقت، أستعيد شريطاً من الذاكرة والمواقف خلال العقد الماضي لا شك أنها تملؤني وكل أردني بالزهو والافتخار لتميز التعامل الأردني مع قضية اللاجئين بشكل عام، والسوريين بشكلٍ خاص.

فعندما عجز مؤتمر الدول المانحة الذي عُقد في الكويت،عام ٢٠١٤ والمخصص لمساعدة السوريين بما فيهم اللاجئون السوريون في الدول المجاورة، عندما عجز عن تأمين ٣٠٪ مما كان يطمح الجميع بما فيهم الأمين العام للأمم المتحدة تأمينه لهذه الغاية، وخلال حوار حول المؤتمر في حفل استقبال في موسكو، سألني أحد الزملاء السفراء عن طول الحدود الاردنية العراقية فقلت له انها حوالي مئة وثمانين كيلومتراً، ثم سألني عن أقصر مسافة بين سوريا والمملكة العربية السعودية عبر الاْردن، فقلت له إني لا أعرفها بدقة ولكنها قد تكون حوالي مئة وعشرين كيلومتراً، ثم توّج أسئلته ببيت قصيدها فقال: لماذا لا تفعلون مثل تركيا وتفتحون طريقاً للاجئين السوريين الهاربين من ويلات الحرب الأهلية للمرور عبر الاْردن الى دول الخليج الأقدر مالياً على استضافتهم اذا قصّرت الجهود الدولية عن فعل ذلك؟

السؤال استفزني، ولكن، لازدياد حلقة المستمعين أحببت حينها أن أجيب وفق النهج الذي تعلمناه في بيتنا ومدرستنا وجامعتنا، ومن قيادتنا الهاشمية، وهو الجواب الذي أعتقد أن أغلب الأردنيين يوافقوني عليه:

قومية الاْردن صفة أصيلة تواكبت مع ولادته كدولة حديثة وريثة لنهج وفكر النهضة العربية الكبرى.

لذلك ومنذ ما قبل منتصف القرن الماضي، كان اللاجئ الفلسطيني عندنا هو بين أهله وذويه (دون نقصان من حقه وفق الشرعية الدولية والذي ندافع من اجل نيله هذا الحق ايضاً).

وكما كان الأردن ملاذاً لكل العرب الباحثين عن الحرية، كان يفتح ذراعيه للشقيق العراقي الذي عانى ويلات الحرب،فكان بين أهله وذويه المرحبين به.

وعندما كان الربيع العربي يستحيل خريفاً، كان الاْردن يفتح ذراعيه لشقيقه السوري ويقاسمه حتى مقاعد الدرس، برغم ضيق حال اليد والتبعات الاقتصادية السيئة للخريف العربي.

ومؤخراً، وعندما استفحل الوضع العربي تردياً في اكثر من موقعٍ، كنّا نرحب بالشقيق الليبي واليمني عن طيب خاطر ووفق شيمنا التي توارثناها.

في إطار ذلك، لا يمكن للأردن ان يتاجر بالحالة الإنسانية الصعبة لشقيق، يعض الأردني على إصبعه ويشد الحزام على معدته إن جاع، ولكن ابداً لا يستغل شقيقه (الفازع) إليه طلباً للآمان ليستعمله سلعة سياسية يماحك فيه اشقاء من دول الخليج (ما عهدناهم مقصّرين) ولا يغريهم ويسهّل مرورهم لدربٍ ينتهي بهم غرقاً على موانئ لجوءٍ أوروبي.

صحيح أنه وفق القانون الدولي فإن المسؤولية تجاه اللاجئ هي مسؤولية دولية، ولكننا إن شحت موارد (المسؤولية الدولية) لا ننتقص من حق اللاجئ بشكل عام، فكيف اذا كان ابن عرقنا وملّتنا!

هذه كانت شيمنا منذ البدايات، ولن نتخلى عنها حتى وإن شحّ ماء البئر..