مضى 29من شباط كأي يوم عادي، ولم يُنفذ الرئيس التركي تهديداته بـ«إجبار» الجيش السوري الانكفاء وراء نقاط المراقبة التركية، وبدت موسكو وكأنها مدّت له حبل نجاة «قصير»، بانتظار تبريد الرؤوس الحامية التركية التي تقرَع طبول الحرب، في وقت تُدرك فيه أن لعبة المراوغة واللعب على «كل» الحبال وصلتْ نهايتها, ولم تَجد مناوراتها واستغاثاتها للغرب أي صدى سوى «الصّد» والكتف الباردة, بل حملتْ في طياتها شماتة غربية (إقرأ اميركية) ورغبة في تدفيع اردوغان ثمن «تمرّده» على حلفائه في الاطلسي، توقاً (قد لا يتحقّق) من الاميركيين باس?عادة السلطان التركي, الذي ظن ان بمقدوره مواصلة استغلال موقع بلاده الجيوسياسي/الاستراتيجي الى ما لانهاية.
إعلان الكرملين أنه يدرس عقد لقاء قمة (في موسكو) يوم 5 أو 6 آذار الجاري، وضع خطاً أحمر محظور على أردوغان تجاوزه عسكرياً، وإلا فالأمور ذاهبة الى مقاديرها، «والفواتير» المُتأخِّرة ستجد طريقها الى السداد والرئيس التركي يتحمّل العواقب.
هنا لا أهمية تُذكر ولا قيمة، لكل التصريحات والبلاغات المُضخّمة التي أصدرتها وزارة الدفاع التركية ورهط مُستشاري اردوغان حول «الانتقام الرهيب» الذي ستدفعه روسيا ثأراً لجنودها, وليس ثمة استحقاق سياسي لتصريح اردوغان: بأن «أنقرة تنتظِر (إجبار) النظام على الامتثال لمذكرة سوتشي, وتحميل موسكو مسؤولية «ايقاف» النظام بموجب المادة3 من مذكرة سوتشي.
أين كانت مذكرة سوتشي وموادها التي استعادتها انقرة، بعد إلحاق هزائم موصوفة بالجماعات الإرهابية المتحالفة معها منذ 17/9/2018؟.
ولماذا تهرّب اردوغان طوال7 «قمم» عقدها مع بوتين، ناهيك عن عشرات الاتصالات الهاتفية بينهما، ومواصلاً الرئيس التركي التهرّب مما «مهره» بتوقيعه، متعهداً اخلاء المنطقة منزوعة السلاح من إرهابيي جبهة تحرير الشام/ النصرة وحراس الدين وباقي العصابات التي يلتقي معها في ايديولوجيته الاسلاموية المُتطرفة ويروم الاستثمار فيها لابقاء سيف الإرهاب مُسلطاً على سوريا, وسداً مانعاً لإفشال اي حل سياسي للازمة فضلاً عن حُلمه إحياء تجربة «المجاهدين» الافغان, ولكن هذه المرة في جمهوريات روسيا الاسلامية, وتلك الجمهوريات السوفياتية ا?سابقة التي يعتبرها اردوغان فضاءً تُركياً خالصاً..
عودة الجيش السوري إلى المناطق التي انطلق منها لتحرير ما أنجزه حتى الآن غير واردة إن لم نقل مستحيلة، فلا موسكو تقبلها وبالتأكيد دمشق غير معنية حتى بمناقشة المسألة، ناهيك عن ان «اختبار النار» الذي تم في الايام والاسابيع السابقة, وكان الجيش التركي جزءاً فاعلاً بدعم الارهابيين أكد ضمن امور اخرى ان هوامش مناوراته أضيق بكثير مما كان يعتقد.
سياسة الحافّة التي واصلها اردوغان منذ تكريس مسار أستانا, لم يَجنِ منها عبر لعبة شراء الوقت شيئاً,بخاصة بعد كشفِ نيّته الدفينة, إذ وصَفَ مُغامراتِه بـ«حرب استقلال جديدة تخوضها تركيا,هذه المرة ليست داخل الاراضي التركية, بل في سوريا وليبيا وشرق المتوسط وإفريقيا, بما هي مناطق النفوذ الإقليمي التُركي «مستطردا:..تركيا الآن طرف أساسي على الطاولة في الشرق الأوسط».
اليست لغة المُستعمِرين...وخِطابِهم؟