في سبعينيات القرن الماضي بينت دراسة للبنك الدولي أن هرم القوى البشرية في الأردن يعاني من اختلالات حيث تضيق قاعدته والمكونة من العمالة الماهرة والفنيين بينما يتسع رأس الهرم المكون من المهندسين والخبراء. ولذلك، اقترح البنك الدولي على وزارة التربية والتعليم تأسيس معهدٍ تكنولوجي لإعداد الفنيين وتكون مدة الدراسة فيه ثلاث سنوات.
وتأسس هذا المعهد في ماركا وساهم في رفد السوق المحلي بالفنيين. كما تم إنشاء مؤسسة التدريب المهني لإعداد العمالة الماهرة. شهدت تلك الفترة تأسيس مجموعة من كليات المجتمع على غرار معهد البولتكنيك. ولكن للأسف تم وأد هذه التجربة، فتحول معهد البولتكنيك إلى كلية جامعية تخرج المهندسين، وتوسعنا في منح تراخيص جامعات خاصة ترفد سوق البطالة بالخريجين، وأُغلق عدد كبير من كليات المجتمع. وبدل تصحيح هرم القوى البشرية عدنا إلى تشويهه مرة أخرى، برغم نجاح مؤسسة التدريب المهني في رسالتها، لأن الخلل أصبح مضاعفاً، خللا في نسبة الع?الة الماهرة إلى الفنيين، وخللا آخر بينهم وبين المهندسين والخبراء. ورغم تحذيرات نقابة المهندسين وديوان الخدمة المدنية بأن معظم التخصصات الهندسية إما راكدة أو مشبعة، إلاّ أننا ما زلنا نسير بلا وعي، ولا أدري ما الحكمة في السماح لكليات المجتمع بتقديم برامج هندسية تمنح درجة البكالوريوس في الهندسة، بدل أن نشجع وندعم هذه الكليات بالتوسع في برامجها الفنية وتطوير مستواها الأكاديمي والعملي.
وعاد هرم القوى البشرية لدينا مقلوباً كما كان في السابق وخسرنا سنواتٍ كان يفترض أن نقّوم تشويه هذا الهرم. وفي ظل هذا الوضع لا يمكن الحديث عن التقدم في الصناعة ورفع الإنتاجية بسبب الخلل في التوازن بين القوى البشرية التي تحرك عجلة الإنتاج.
لا يمكن الحديث عن سياسات التعليم العالي وتطوير هذا التعليم دون دراسة المخرجات وخاصة في المجال الهندسي. كيف يمكن أن نقنع الناس بالتوجه إلى التعليم الفني في ظل الامتيازات التي يحصل عليها المهندسون عند حصولهم على وظيفة في القطاع العام وفي ظل وجود نقابة تدافع عن هذه الإمتيازات والتي تم منحها في السابق للمهندسين عندما كانت أعدادهم قليلة وكانت الحاجة لخدماتهم مطلوبة.
إن الخطوة الصحيحة في هذا المجال -برأيي- أن يتم وقف العلاوات عن المهندسين الذين يتم تعيينهم بعد تاريخ معين يتم الإتفاق عليه، وتحويل هذه العلاوات للفنيين. إن مثل هذه الخطوة ستصيب عصفورين بحجر واحد، تشجع الطلاب على الإقبال على التعليم التقني وتشجع على تحويل بعض الجامعات الخاصة إلى كليات تقنية وتطوير الكليات القائمة حالياً.