كانت دراسة الهندسة في الماضي حلماً يداعب مخيلة الطلاب، وفي عدم وجود جامعات في الأردن كان التوجه إلى دول عربية معينة وبعض الدول الأجنبية، لذلك كان الطالب يجد ويجتهد للحصول على معدلٍ عالٍ في التوجيهي لضمان مقعد في كلية الهندسة. كانت الدراسة الجامعية تشكل تحدياً لهم، وخاصة أبناء الطبقة المتوسطة، حيث استمر الحلم وتطور ليصبح العودة للوطن كمهندس كفؤ يستطيع أن ينجز العمل بدقة وفاعلية ليصبح وساما يفتخر به.
ومع الفورة النفطية، وتوفر المال وخاصة لابناء الطبقة المتوسطة، لم يصبح المعدل هو المعيار، بل توفر المال، فهذا المال كان الوسيلة الفعّالة للسفر إلى دول توفر التعليم الجامعي للأجانب بغض النظر عن معدل التوجيهي. أبتدأ الحلم بالتلاشي. وبعد الفورة النفطية، انتبه رأسمال إلى ضرورة استقطاب الأموال التي تنفق على التعليم في الخارج وضرورة ضخها في جيوب التجار، فأنشأت الجامعات الخاصة وفق أسس تجارية تهدف في المقام الأول إلى الربح عن طريق التجارة بالتعليم العالي.
وهنا أصبح الحلم كابوساً، وأصبح طابور المهندسين بلا عمل يزداد سنوياً. وألقى هذا الكابوس بظلاله على الحكومة والنقابة والأهالي. فالأهالي استثمروا المال الكثير في تعليم الأبناء، وهم الآن عاطلون عن العمل ولا يتقنون أية مهنة بديلة، ووجدت الحكومة نفسها أمام مطالب شعبية بتوفير فرص العمل، وهي لا تستطيع لأن الاقتصاد الأردني غير قادر على توليد مثل هذا العدد من فرص العمل للمهندسين. أما النقابة، فالأعداد تزداد والضغط يتزايد من أجل إيجاد فرص تشغيل لهذه الأعداد المتزايدة. يضاف إلى كل ذلك، أن الجميع أدرك أن هناك مشكلة كبي?ة تتمثل في وجود فجوة كبيرة بين مخرجات التعليم الهندسي ومتطلبات سوق العمل. أسواق العمل الآن تركز على التنافسية في التشغيل واستقطاب الكفاءات، والتنافسية في أسواق العمل هي منظومة ثلاثية الأضلاع تتكون من المعرفة والمهارة والسلوك. لا زالت مخرجات التعليم الجامعي في الهندسة تركز على الضلع الأول وهو المعرفة وتهمل الضلعين الآخرين. ويعرف الجميع أن المعرفة متغيرة وديناميكية. وفي ظل الثورة العلمية التكنولوجية (الذكاء الاصطناعي وانترنت الأشياء وغيرها) فإن المعرفة تصاب بالهرِم مبكراً، وتتقادم المعارف العلمية بسرعة.
تحول الكابوس إلى مشكلة حقيقية تتمثل في الأعداد الكبيرة للمهندسين، عدد المهندسين الآن المسجلين في النقابة يربو على 167 ألف مهندس، وحسب نقيب المهندسين الأردنيين فإن هناك 12 ألف مهندس يتخرجون سنوياً، وتبلغ نسبة البطالة بين المهندسين 18% أي ما يعادل 35 ألف مهندس يبحثون عن عمل، علماً أن معظم التخصصات الهندسية إما راكدة أو مشبعة. والأمر المخيف في هذا الوضع أن المهندس الذي لا يعمل يفقد معلوماته بسبب عدم الممارسة ونتيجة للتطور، بمعنى أن المهندس العاطل عن العمل لمدة خمس سنوات يفقد كلياً ما تعلمه ويصبح أمياً في مهنة?الهندسة.
الهندسة بين الحلم والكابوس
10:30 28-1-2020
آخر تعديل :
الثلاثاء