«شهادة» أخرى لا أخيرة, يتحصّل عليها بجدارة عرب اليوم، بعد كثير من الشهادات المشفوعة بالأرقام والمعطيات حفل بها المشهد العربي منذ عقود, وخصوصاً مع بداية الالفية الجديدة التي برزت فيها المنطقة العربية كساحات للقتل والتنكيل والتنمّر والانتهاكات الواسعة والمُبرمجة لحقوق الانسان, والقمع المحمول على بطالة وفقر وبؤس في الخدمات الاساسية, ودائماً في الترويج لديمقراطية عرجاء تكاد تكون أسوأ مما هي عليه في اكثر بلدان العالم ديكتاتورية، والتي تتمثل ضمن امور اخرى في تدجين وسائل الإعلام على اختلاف تخصصاتها, بما في ذلك الفضاءات الافتراضية ووسائل التواصل الاجتماعي بعد ان نجحت خصوصاً في خصي الوسائل التقليدية المقروء منها والمسموعة والمرئية, متبوعا باستلاب ارادة العاملين في تلك الوسائل واستخدام مختلف الوسائل لضمان تبعيَّتهم تحت طائلة التجويع والمطاردة حدود القتل والتغييب خلف القضبان وتشويه السمعة.
ما تحصّلت عليه المنطقة العربية مؤخراً, ورد في تقرير لمنظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) جاء فيه: ان المنطقة العربية هي الاكثر خطراً على حياة الصحافيين خلال السنوات الماضية، حيث بلغت – يُواصل التقرير – حصة الدول العربية من حصيلة القتلى 30% على مستوى العالم»، ليس مهماً بعد ذلك معرفة من حلّ بالمرتبة الثانية او الثالثة, ما دمنا تقدمنا الصفوف على نحو نستحق فيه جائزة البروز أقلّه في مجال القتل والتنكيل الذي تبرع فيه مجموعات, سواء كانت رسمية ام تلك التي ابتلينا بها في النهاية والتي قادت حملة تقتيل وسفك لدمائنا دونما وازع ديني او اخلاقي او انساني
لا أهمية ولا قيمة بالطبع للمؤتمرات والمهرجانات التي تحتفي بالصحافيين العرب وتدعّي تكريمهم وتطنب في مديحهم, باعتبارهم سلطة رابعة والعيون التي تراقب وتؤشر الى مواطن الخلل وتنقل «الحقائق» الى الجمهور على قاعدة الحق في معرفة المعلومة, وغيرها من العبارات والمصطلحات التي فقدت معانيها في بلاد عرب بعد ان افرغها تحالف السلطة ورأس المال من مضامينها, وبعد ان حوّلها الى مجرد شعارات ومهرجانات توزّع فيها الجوائز والكؤوس والمغلفات, دون ان تنهض بدور فاعل في المشهد الوطني وتنتهي الى ما هي عليه اليوم من رثاثة وتبعية وتطبيل وحرق بخور لاي مسؤول يمتطي حصان المسؤولية.
أطرف ما يمكن سماعه او قراءته هو ما قاله امين عام الأمم المتحدة غوتيرس: عندما يُستهدَف الصحافيون تدفَع المُجتمعات بأسرها الثمن، وإذا لم نكن – استطرد – قادرين على حماية الصحافيين, تُصبِح قدرتنا بالبقاء على عِلم بما يجري حولنا, وعلى المساهَمة في اتخاذ القرارات محدودة جداً، وإذا -أضاف–لم يكن الصحافيون قادرين على القيام بعملهم في أمان، فإننا سَنواجِه احتمال العيش في عالم يسوده اللبس والتضليل الإعلامي....خَتمَ.
قد يقصد الرجل عوالم غير عالمنا العربي, وفضاءات غير تلك التي يعيشها صحافيو العرب.. فاللبس والتضليل الإعلامي جزء أصيل من مشهد عربي بائس وَرث راهِنٍ...ويتمدّد.