في الخمسينيات من القرن الماضي لم يكن هناك عمالة أجنبية في الأردن، وكان العاملون في مختلف المهن البسيطة من الأردنيين، وفي حقبة الثمانينيات أتى التوسع السريع في عملية البناء لتتوافد أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية للأردن، وبعد التوسع في التعليم وتمدد الخدمات الحكومية وزيادة قدرتها الاستيعابية لتعيين الخريجين الجدد من الجامعات جرى تفريغ المهن البسيطة والمعقدة نوعاً ما من العمالة الأردنية، لنجد ظاهرة غريبة تجعل الأردن واحدة من الدول كثيفة التصدير للعمالة في نفس الوقت الذي تستورد بشراهة العمالة غير المدربة التي تحصل على تدريبها في الأردن وتطور مهنتها في الأردن.
من يسلك المسار المهني، على تواضع نسبتهم بين الأردنيين، يجد نفسه في منافسة غير عادلة مع العمالة الأجنبية التي تستطيع أن تقبل بأجور أقل نوعياً من الأردنيين، ومع ذلك، فالدخل في بعض المهن يفوق ضعف ما يجنيه الموظف الأردني من خريجي الجامعات، فما الذي يمكن أن يصحح الخلل؟
نتحدث كثيراً عن اعادة الاعتبار للعمل المهني، وتعديل ثقافة العمل في الأردن، ولكن توجد خطوات ملموسة على الأرض، منها تحديد أطر منضبطة تستطيع أن تحفظ كرامة العامل المهني وحقوقه وتؤمن دخله في حالات التعطل المؤقت أو الدائم نتيجة اصابات العمل، وبكثير من الصراحة فإن أصحاب العمل المهني يفضلون العامل الأجنبي لاستمراء منحة الحد الأدنى من الحقوق وتجنب ما يزعمونه من مشكلات تتعلق بالعامل الأردني في المهن البسيطة.
استعادة المهن للعمالة الأردنية من شأنه تحقيق آثار ايجابية كبيرة على المستوى الاقتصادي، فعدا عن توفير فرص العمل سيتم الحد من خروج الأموال من الأردن، وستكون الدخول المتحققة خاضعة للتدوير داخل الأردن بما يحققه ذلك من زيادة للتحصيل الضريبي وأنشطة السلع والخدمات المختلفة.
من أين يمكن أن نبدأ؟
ربما يكون التفكير في تأسيس شركات للخدمات المهنية تستغل التطبيقات الإلكترونية وتحصل على حوافز استثمارية خطوة مناسبة تتوازى مع تخفيض جاذبية الأردن للعمالة الأجنبية، وتتكامل مع وضع اللوائح المناسبة التي تضمن أن تقوم الشركات المشغلة للعمالة المهنية بتوفير شروط توظيف جيدة تشتمل على التدريب وحزمة من التأمينات التي تتناسب مع طبيعة مخاطر المهن، بالإضافة إلى توفير فرص الارتقاء التعليمي داخل المهنة أو لمهن أكثر تخصصية من خلال مؤسسات تعليمية متخصصة تستطيع أن تراعي ظروف العمل المهني.
أما كيف تتغير الثقافة، فبالتأكيد إنها لا تتغير بين يوم وليلة، ولكن تخريج جيل من المهنيين الأردنيين الذين يستطيعون الاندماج في العمل الإنتاجي سيكون محفزاً للآخرين الذين سيجدون أصحاب المهن يحققون تقدماً اجتماعياً يغنيهم عن النموذج السائد للتشغيل وتقاليده ومشاكله في الأردن.