كتاب

التخطيط الاقتصادي الضائع في متاهة التفاصيل!

توجد أزمة اقتصادية كبيرة في الأردن، وايقاف المشاريع الرأسمالية للحكومة يمكن أن يسهم في تفاقم التأزم، فالمصروف الرأسمالي يتحول إلى مصروفات جارية تغذي قطاعات اقتصادية مثل المقاولين والمتعهدين ويتأثر العاملين في القطاع بالقرار في النهاية، فما الذي تريده الحكومة؟

تركز الحكومة على الجانب المالي لمشكلة الأزمة الاقتصادية، فالالتزامات المالية تبدو غير قابلة للتأجيل، وعملية إعادة جدولة جزء من الدين مقابل ابداء حسن النوايا في التشدد على مستوى الإدارة المالية أدى إلى انخفاض العوائد، والتهمت هذه النتيجة كل الجهود السابقة في تمرير قانون الضريبة.

يبدو الوضع معقداً، فالمطلوب توافر أموال لا تنعكس على المديونية، وحيث لا يتوقع وجود منح دولية قريباً، فالحل الوحيد هو تدفق الاستثمار إلى البلاد، وتغيير بعض الأفكار القائمة حول العلاقة مع المستثمرين وخاصة ممن يديرون استثمارات طويلة الأجل يتم تمويلها من صناديق تقاعدية أو استراتيجية في البلدان الأوروبية أو الصين أو اليابان، وقد يبدو الفشل في تجربة الخصخصة وفقدان القدرة على استصدار تقييمات منصفة حول أدائها عائقاً أمام أي حكومة يمكن أن تراهن على علاقات استراتيجية مع المستثمرين.

نفترض بالطبع أن الحكومة تمتلك الكوادر المؤهلة لإحداث عملية التواصل والتفاوض مع المستثمرين الذين اعتادوا على حالة تشبه التدليل في بلدان أخرى منافسة، ونتأمل أن يكون الدكتور خالد الوزني مدركاً للمعطيات الراهنة ومستعداً للصراع من أجل احداث تحولات نوعية في تأهيل بيئة ايجابية للاستثمار، ومع ذلك يبقى الوقت بحاجة إلى دعم سياسي كبير ربما من الصعب توفيره على مشارف انتخابات نيابية قادمة سيسعى من خلالها النواب إلى إسماع ناخبيهم ما يودون سماعه دون أن يكاشفوهم بما هو حقيقي وجوهري.

وصلت الأردن إلى هذه المرحلة نتيجة تغيب التخطيط الاقتصادي الذي أعتبره بعض القائمون على رسم السياسات الاقتصادية تراثاً شمولياً غير لائق اعتباراً من مطلع التسعينيات، وكان تقلب الحكومات يغري أي رئيس للسلطة التنفيذية لممارسة دوره في الترحيل والتأجيل، واضطرت أجهزة مختلفة على مستوى الدولة أن تؤدي دوراً استراتيجياً يعوض الوقت المهدر في لعبة الركض على جهاز السير المتحرك (التريدميل)، وجاءت أكثر الحكومات استقراراً في معامل الوقت مع الدكتور عبد الله النسور في تزامن مع فوضى الربيع العربي بما يجعل استصدار أحكام موضوعية حول أدائها الاقتصادي.

ربما من المناسب أن يتم الاجتهاد على أرضية «كيان دولة» عابر للحكومات تشكله السلطات المختلفة بمشاركة مع القوى الفاعلة من قادة قطاعات اقتصادية أو أحزاب برامجية حقيقية ليتجاوز إشكالية تغيب التخطيط الذي يجب أن ينطوي على التقييم كنقطة انطلاق لأية جهود مقبلة، وفي الأردن العقليات الدستورية والقانونية التي تستطيع أن تسهم في تأسيسه وتحديد أدواره ليحول دون الاستغراق في الاجتهادات حكومية المشتتة أصلاً بين المشاكل والجزئيات والتفاصيل، والجاهزة دائماً للتعذر والتبرير.