كتاب

جاهات سياسية!

ابرام الصفقات والتنازلات المدروسة جزء من العملية السياسية في أي مكان من العالم، وعادة ما تتم هذه التحركات في الكواليس وتتجنب التغطيات الإعلامية، وتترك نتائج التفاهمات مفتوحة للصحافة والتأويل والتحليل بما يعطي النكهة ومسحة الإثارة للعمل السياسي. نفتقد هذه الميزة في الأردن، فكل شيء يجري علانية ويتم ترتيب الجاهات والتحدث أمام الكاميرات والتقاط الصور التذكارية لإهدار صورة الديمقراطية بصورة احتفالية، وتعيد الجاهة التي انطلقت لإثناء أحد المرشحين لمنصب نائب أمين العاصمة عن استكمال طريقه إلى الذاكرة مشهداً مماثلاً في انتخابات داخلية في مجلس النواب. تغيب البرامج السياسية ومبادئ التقييم والمحاسبة سبب رئيسي في وجود هذه الصورة السلبية لإدارة الفعل السياسي، وكثير من النواب كانت الوجاهة الاجتماعية ضمن أجنداتهم الشخصية التي حفزتهم لخوض العمل العام، وما زلنا في الأردن ننظر إلى الموقع ضمن منظومة العمل السياسي والعام على أساس أنه منصب يضمن مكانة اجتماعية لصاحبه، وكأن الأمر يشبه الحصول على شهادات الدكتوراة الفخرية بعد التبرعات التي يجزلها رجال الأعمال للجامعات. من يستقبل الجاهة يحصل على التعويض النفسي ويمرر فرصة الموقع بعد الاقرار بتأثيره من زملائه ومنافسيه، والجاهة تحصل على المنصب، ولكن ما الذي يعنيه ذلك كله بالنسبة للمواطن الذي يتوقع أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب، وما الذي تعنيه العملية الديمقراطية ككل؟ الديمقراطية لا تعني فقط الاختيار بين منافسين محددين، الخطوة السابقة على ذلك هي إتاحة الفرصة لجميع المرشحين المناسبين للدخول في عملية التنافس من الأساس، وحجب الخيارات سواء من خلال وضع شروط صعبة في عملية الترشيح، أو إعاقة وجود بعض المرشحين، أو إحداث الاختلال نتيجة المال السياسي، أو المداراة الاجتماعية كلها تمثل افتئاتاً على حق الناخب في الحصول على المرشح المناسب، وبالتالي الخدمة المتوقعة، وتفكيكاً لمحتوى العملية الديمقراطية. المفارقة أن الحديث عن تطويق ظاهرة الجاهات على المستوى الاجتماعي، وتحولها إلى نادٍ للمتقاعدين السياسيين لتحقيق بعض الظهور، والمتطلعين للأدوار والمناصب من أجل التعارف، كان يتطلب تفعيل دور قادة المجتمع المحلي في العزوف عن تطوير طقوس الجاهات بما يكرسها أداة هدر مالي وضغط نفسي على المواطنين المرهقين اقتصادياً، إلا أن الظاهرة أخذت تتفشى لتصبح أداة لتسوية الموضوعات العالقة في التنافس السياسي، ولم يعد أحد يستهجن وجودها، وكم يعتبر ذلك سباحة محمومة بعكس اتجاه الإصلاح السياسي المأمول والمطلوب.

متى سنصل إلى اليوم الذي تتحدث فيه الصحافة عن صفقة بين حزبين لنخترع في مخيلتنا أجواء الاجتماعات السرية والمفاوضات التي تقوم على أساس الورقة والقلم والأرباح والخسائر والشد والجذب؟ على الأقل سيتواجد المحتوى والخوف من النتائج والعواقب، وسيكون المظهر العام أفضل كثيراً من أن يتحدد توزيع المواقع بناء على خطب إنشائية بين فناجين القهوة وأطباق الحلويات وفلاشات الكاميرات في غياب المحتوى السياسي.