لم تُعرَف بعد ردود الأفعال على الدراسة الإسرائيلية التي أجراها باحثون في جامعة تل أبيب، على جينات عَشرة فلسطينيين قُدماء انتُشِلت رفاتهم من مقابر في مدينة عسقلان، وبخاصة في توصّل هؤلاء إلى أن «الفِلستيين» القدماء يَنحدِرون من مجموعات بشرية في اليونان او سردينيا وحتى إسبانيا والبرتغال. لكن المغزى السياسي للدراسة، وظهورها في هذا التوقيت.. بات واضحاً، في ظِل السعي الصهيوني المَحموم لإثبات صلة مفقودة اصلاً بين فلسطين واليهود، وبخاصة في اختراع المزيد من الأساطير مثل «درب الحجّ» اليهودي الذي افتتحه غُلاة الصهاينة أسفَل بلدة سلوان الفلسطينية، المسماة لديهم (مدينة داود) باتجاه حائط البُراق (المَبكى يهودياً) شارَكهم في ذلك نواب وسيناتورات أميركيّون مثل ليندسي غراهام، ناهيك عن سفراء أميركا في اسرائيل واليونان وفرنسا، الى درجة بدا الاحتفال الاستفزازي الصاخِب وكأنه أميركي خالِص.
وتحضر بالمناسبة تلك التصريحات الصهيونية واليهودية التي تنفي صلة الشعب العربي الفلسطيني بفلسطين، بل هناك من أَنكر وجود شعب يحمل هذه الصفة عندما تساءَلت جولدا مائير استعلاء وغطرسة محمولة على نشوة دولتها بـ«انتصاراتها» العسكرية: هل هناك «شيء» اسمه الشعب الفلسطيني؟. ثم توالت عمليات الطمس على اكثر من صعيد وبخاصة شعبي وثقافي وفلوكلوري كسرقة التراث الشعبي الفلسطيني وأسرَلة المطبخ الفلسطيني وتهويد اسماء المدن والقرى والمواقِع الأثرية وغيرها مِما لا يَخطر على بال. لكنها «الصهيونية» لم تنجَح حتى باستخدام أسوأ أنواع الارتكابات وجرائم الحرب، في شطب الشعب الفلسطيني من الخريطة الديمغرافية للمنطقة وعلى وجه الخصوص داخل فلسطين التاريخية.
تذهب الدراسة التي تدّعي العلمية والدقة، الى أن «الصِبغة الوِراثية للفلسطينيين القدماء لم تَدُمْ طويلاً، فما أن وصَل -تُضيف الدراسة- هؤلاء الى جنوب بلاد الشام، تزاوَجوا مع السكان المحليين واختلَطوا بهم.. وهذه البَصمَة الوراثية -تَحسِم الدراسة المزعومة-لَم تَعُد الآن قابِلة للاكتشاف (..)».
تفاصيل الدراسة ما تزال مُقتضبَة، يشوبها الغموض والالتباس المقصود في ما نحسب، وبخاصة ان هؤلاء الخبراء لم يحصلوا سوى على نتائج الحِمض النووي لـِ«11» عينة فقط تعود الى «10» أشخاص عاشوا ما بين 2800 الى 3600 عام، زاعمين ان الحِمض النووي للعشرة أشخاص هؤلاء «كفيل» بحلّ الّلغز، لافِتين الى انهم (علماء الجينات) قاموا في البداية بِأخذ أكثر من (100) عَيّنَة معظمها من الأسنان وعظام الأُذن الداخلية وهما -كما يقولون- أفضل مَكانين لِحفظ الحمض النووي للقدماء.
العلمية المدّعاة التي حاول هؤلاء الخبراء إسباغها على أبحاثهم ذات الأهداف السياسية، كانت نتيجتها التكهّن بان «أسلاف الفِلسطينيين الحالِيين، ربما جاؤوا من جنوب أوروبا ووصلوا الى عسقلان في وقت ما، من نهاية العصر البرونزي المُتأخِّر أو بداية العصر الحديدي..المُبكر».
فتأمّلوا رعاكم الله.. هذه الهرطقات، في عصر صّفقة القرن الذي نعيش.
kharroub@jpf.com.jo