أسباب إقالة حكومة النابلسي البرلمانية!

تاريخ النشر : الخميس 11:00 4-7-2019
3410
د. صالح ارشيدات

نتساءل اليوم، ونحن نتحدث عن مستقبل «الحكومات البرلمانية» التي أكد عليها الملك في أوراقه النقاشية، وبعد مرور أكثر من ستين عاماً على تشكيل حكومة النابلسي البرلمانية الأولى في تاريخ الأردن السياسي، عام 56 عن الأسباب والظروف التي أدت إلى إقالة الحكومة البرلمانية الأولى، بالرغم من تمتعها آنذاك بثقة البرلمان المطلقة وبثقة الشارع الشعبي الأردني.

اجتهد كمراقب، بحرص وأمانة، ولأسباب موضوعية، ولقربي من بعض شخصيات ومكونات الأحداث آنذاك، ومنهم والدي، اجتهد للبحث والسرد القريب والتحليل، مستنداً على وثائق وبيانات حكومة النابلسي والمعارضة، عن الأسباب المتشابكة التي أدت إلى إقالة حكومة النابلسي، حيث كان والدي شفيق ارشيدات وعبد الحليم النمر من بين أقرب الناس للنابلسي، لا بل كانا رفيقي مسيرة نضال سياسي طويلة بدأت عام 1946 مع النابلسي ومع الزعيم الوطني محمد صبحي أبو غنيمة لتأسيس الحزب العربي الأردني.

الأسباب الإقليمية الموضوعية والبيئة المحلية الحاضنة!

ولدت حكومة النابلسي عام 1956 - 57 في ظروف أردنية وإقليمية ودولية في غاية التعقيد، فالصراع الدولي بين القطبين الكبيرين كان على وشك الدخول في صراعات الحرب الباردة، وكان الإقليم ومصر يتعرض لعدوان ثلاثي، وكان الأردن يعاني من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الحدود والقرى الأردنية وآخرها مدينة قلقيلية، بوجود قيادة بريطانية للجيش الوطني.

في سياق مواز كان الملك حسين قد تولى العرش، قبل 3 سنوات (بعمر 18 عاماً)، وكان شاباً متحمساً للقضايا الوطنية والقومية، وريثاً لرسالة الثورة العربية الكبرى، ويواجه تداعيات مزمنة لاتفاقية أردنية بريطانية طويلة الأمد.

كان الملك الشاب الحسين قد كلف، في بداية عهده بالحكم عام 53 فوزي الملقي بتشكيل حكومة شبابية تقدمية، أنجزت بعض تطلعات الملك الشاب، وتطلعات شعبه العربي الواعي من الضفتين، اللتين توحدتا عام 50، حيث عكست تطلعات الملك إيمانه بروح الدستور الأردني التقدمي لعام 52، وأنجزت حكومة الملقي قوانين الحريات العامة وحقوق الإنسان المدنية والسياسية، وسلطة البرلمان أمام الحكومات.

واجه الأردن بعدها ضغوطات حلف بغداد واحداثها العنيفة والمظاهرات الشعبية، حيث ساهم النابلسي ومؤيدوه وحزبه والجبهة الوطنية في حشد المواطنين لخلق رأي عام كبير ضد الحلف، اسقطت حكوماتها المؤيدة للحلف.

إنجازات الملك حسين

أقدم الملك، بعدها على اجرأ وأعظم إنجازاته السياسية التحررية الاستقلالية، وهي تعريب قيادة الجيش وعزل كلوب باشا، رغم الاتفاقات العسكرية البريطانية الطويلة، وأقدم على الانفتاح على القوى السياسية الوطنية، والتقرب من ما سمي تنظيم الضباط الأردنيين الأحرار، اتبعها الأمر الملكي بإجراء انتخابات نيابية نزيهة أفرزت مجلساً برلمانياً سياسياً بامتياز.

عربياً، أصبح الرئيس عبد الناصر من خلال حرب السويس بطلاً قومياً للاستقلال الوطني، وشخصية عالمية بعد أن تبنى سياسة الحياد الإيجابي، حيث لاقت أفكاره القومية قبولاً شعبياً في معظم الدول العربية وخلقت اتباعاً وانصاراً له في الشارع العربي.

عالمياً، أعلنت الولايات المتحدة عن مشروع مبدا ايزنهاور، لملء الفراغ الاستعماري بدلاً من انجلترا وفرنسا، وحماية مصادر النفط، وإعلان الحرب الباردة على منافسها الجديد الاتحاد السوفيتي.

مشروع ايزنهاور، هو بمثابة الحلف الأميركي الجديد للدفاع عن العالم الحر ودوله من أخطار تغلغل الأفكار الشيوعية، كما تم تسويقه، حيث تعهد المشروع الأميركي بتقديم الحماية والعون العسكري والمالي والسياسي لدوله الحليفة، وبالمقابل تعهد المعسكر الشرقي بتقديم الدعم الاقتصادي والتنموي والسياسي لحلفائه الجدد، حيث انقسم العالم العربي إلى نصفين.

حال الأمة!

كان الأردن بعد الاستقلال عام 1946 لا زال مرتبطاً باتفاقية بريطانية أردنية بدأت عام 1928 منذ الانتداب البريطاني وجددت عام 48، لمدة 20 عاماً، ولبريطانيا بموجبها قواعد عسكرية في الأردن، ويقود الجيش الأردني ضباط بريطانيون على رأسهم كلوب باشا، ويتلقى الأردن مساعدات سنوية مالية وعسكرية من بريطانيا لدعم الجيش والاقتصاد الوطني.

كان الأردن يعاني من وضع اقتصادي صعب، زاد من صعوبته استقباله لمئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين بعد حرب 48، وهو في بداية مسيرة بناء أركان الدول الحديثة، وكان يتعرض لضغوطات خارجية لإدخاله في أحلاف عسكرية دولية مثل حلف بغداد عام 1955الموجه اساساً ضد المد الشيوعي. وكان الشارع الشعبي الأردني يغلو و يعبر عن استنكاره الشديد للأحلاف الغربية والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأردن.

مكونات شخصية النابلسي الوطنية

تشبع سليمان النابلسي بالأفكار الليبرالية والقومية أثناء دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت عام 1932 وعمل بعد التخرج مدرسا في مدينة السلط وغيرها من مدن الأردن، وآمن بقدرة جيل الشباب على التغيير فاحترم أفكارهم ونظم حراكهم، وآمن بدور الأحزاب السياسية كبوتقة انصهار وطني لتعزيز الديموقراطية، ولتمثيل التعددية في الأردن فانخرط فيها وساهم في تشكيلها، وكان محط احترام القوى الوطنية المنظمة الجديدة على الساحة الاردنية، وخصوصا بعد وحدة الضفتين عام 1950، حيث تشكلت معظم الأحزاب السياسية وهي: الإسلاميون عام 46، البعثيون عام 52 والقوميون والاشتراكيون عام 54 واليساريون عام 51 والذين احترموا نضاله ضد حلف بغداد، وإيمانه بالتجربة السياسية القومية الناصرية، وأفكاره المتمردة ضد الانتداب البريطاني والمعاهدة البريطانية.

كان النابلسي شخصية وطنية حزبية جريئة ملهمة وبارزة، عمل منذ الثلاثينيات في العمل العام والصحافة السياسية وسجن عدة مرات مع رفاقه، وحاول عام 46 مع بداية الاستقلال للمملكة، مع المعارض الوطني د. صبحي أبو غنيمة وشفيق ارشيدات، وعبد الحليم النمر وصلاح طوقان، وعلي مسمار، وميخائيل هلسة، ومحمد عودة القرعان، وصبحي الكيلاني وبشارة غصيب، تأسيس الحزب العربي الأردني، الذي أصبح بعد 8 سنوات محطة انطلاق لقيام الحزب الوطني الاشتراكي، والذي رفع شعارات بالمطالبة بإعداد دستور وطني ديموقراطي جديد وتعديل المعاهدة البريطانية الاردنية، وبث التوعية القومية للعمل العربي المشترك، ولكن الحكومة رفضت تسجيل الحزب.

عمل النابلسي ضد سياسات واجراءات الانتداب البريطاني في فلسطين والأردن بكل أشكاله واعتقل مع غيره مرات عديدة، ونادى بالوحدة العربية، وكان له أنصاره في الضفتين، عين وزيرا في حكومة سمير الرفاعي عام 1950.

أصبح سليمان النابلسي ورفقاؤه بعد أحداث الانتخابات النيابية العصيبة عام 1954 رموزاً وطنية للمعارضة الحزبية والشعبية المنظمة، والتي عمل كلوب باشا على تزويرها لاسقاط مرشحي الحزب الوطني الاشتراكي (والمكون حديثاً)، ومرشحي المد القومي واليساري، حيث أمر كلوب باشا الجيش بقمع المظاهرات المحتجة على تزوير الانتخابات بالحديد والنار فمات العشرات من المحتجين، وتم اعتقال قادة المظاهرات النابلسي وارشيدات ومدانات وغيرهم.

ترأس النابلسي الحزب الوطني الاشتراكي عام 55، بعد أحداث حلف بغداد، والذي تم تأسيسه عام 54 على مبادئ الحزب العربي الأردني، بدعم واتصال مكثف منه اثناء عمله سفيراً في لندن مع رفاقه في حكومة د. فوزي الملقي عام 53 والتي سنت قوانين الأحزاب والمطبوعات، منهم شفيق ارشيدات وحكمت المصري وصالح المعشر وأنور الخطيب وعبد الحليم النمر وهزاع المجالي، ونعيم عبد الهادي ونجيب الأحمد، حيث تأسس الحزب في صيف عام 1954 من شخصيات برلمانية وسياسية واجتماعية وثقافية وشبابية، وأصبحت مجلة الميثاق التي صدرت عام 49 لصاحبها شفيق ارشيدات هي الناطقة باسم الحزب الوطني الاشتراكي.

برز النابلسي ورفاقه كقوة شعبية وسياسية مؤثرة في الحياة السياسية وكثر أنصارهم، فتزعم النابلسي المعارضة وقاد الجبهة الوطنية الأردنية التي شكلها، والتي تضم أحزاباً وقوى وشخصيات قومية ويسارية ومستقلة، وخاض انتخابات عام 1956باسم تآلف أحزاب الجبهة الوطنية الأردنية في أجواء انفتاحية إيجابية جديدة، بعد أن قام الملك بطرد قائد الجيش كلوب وتعريب قيادة الجيش العربي بعدها بأشهر قليلة.

الطريق إلى الحكومة البرلمانية الأولى

كانت الانتخابات لعام 1956نزيهة كما أرادها الملك بشكل عام، فاز الحزب الوطني الاشتراكي، ذو الأفكار القومية الناصرية بمقاعد أغلبية نسبية أحزاب التالف الحزبي (13مقعداً)، وفازت الجبهة الوطنية اليسارية بثلاثة مقاعد، وفاز حزب البعث العربي بمقعدين فقط عن الضفة الغربية، علماً أن حزب البعث كان قد رشح 18 عضواً في دوائر المملكة المختلفة.

كلف الملك حسين الحزب الوطني بتاريخ 29/اكتوبر عام 56 بتشكيل الحكومة البرلمانية الأولى في تاريخ المملكة الأردنية الفتية برئاسة النابلسي.

من جهة اخرى لعب تنظيم الضباط الأحرار الذي تشكل عام 1950بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب فلسطين عام48، دوراً وطنياً للدفاع عن عروبة الحكم الأردني ومؤسسة العرش من تغول كلوب باشا ونفوذ الضباط البريطانيين وتهديداتهم الدائمة للأردنيين بأهمية المعاهدة البريطانية ودعم بريطانيا للأردن.

اعتمد الملك حسين اثناء حركة تعريب قيادة الجيش على حماسة وولاء ودعم تنظيم الضباط الأحرار للملك، بسد الفراغ الوظيفي والمهني للجيش، حيث سلم الملك قيادات تنظيم الضباط الأحرار المؤهلة عسكرياً منهم الضباط، شاهر اليوسف أبو شحوت، ومحمد ومحمود المعايطة، وأحمد زعرور وغيرهم، قيادة بعض مؤسسات الجيش العليا بعد ترفيعهم، وأصبح الضابط علي أبو نوار رفيقهم عضو التنظيم، منسق التنظيم العام مع الملك، قائداً أعلى للجيش وهو في الثلاثينيات عام 56.

إعلان حكومة النابلسيّ

بدأت حكومة النابلسي أعمالها مع بداية العدوان الثلاثي على مصر حيث طلبت الحكومة رسمياً من الملك، المتحمس للدفاع عن مصر، السماح لها والأمر بإعلان الحرب على إسرائيل، انسجاماً مع تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك بقيادة مصر، الموقعة سابقاً مع مصر وسوريا، حيث جاء جواب القيادة العربية المشتركة من مصر، رداً على طلب الأردن الرسمي، حول مشاركة الأردن بالحرب، بالتروي وعدم إرسال قواتها إلى الجبهة الإسرائيلية لدعم مصر، لأسباب بررتها القيادة المصرية استراتيجياً، التخوف من احتلال إسرائيل للضفة الغربية، كما أبلغها الرئيس عبد الناصر للملك هاتفياً، والاكتفاء بالدعم السياسي الأردني والعربي.

أعلنت الحكومة الأردنية في بيانها للثقة أمام النواب في 26/11/56 أنها بصدد انهاء المعاهدة الأردنية البريطانية واستبدالها باتفاق تضامن عربي لتقديم معونة عربية بدل المعونة السنوية البريطانية، وأنها بصدد الاعتراف الدبلوماسي بالاتحاد السوفيتي، وأنها ستقدم للمجلس قوانين الحريات العامة والمطبوعات والأحزاب والبلديات، وتعديل قانون الانتخاب، وستعمل لتعزيز العمل العربي.

بالنسبة لاتفاق التضامن العربي واستبدال المعونة البريطانية فقد أنجزته الحكومة الأردنية والبرلمان، من خلال وفود حكومية رفيعة للدول العربية برئاسة الوزير ارشيدات وعضوية الوزراء طوقان والريماوي وأبو نوار، مع مصر وسوريا والسعودية بتاريخ 28/1/1957 وتعهدت الدول العربية حينها بتقديم معونة مالية سنوية بدل المعونة البريطانية، ولكنها تلكأت في آلية الصرف للأردن ولم تلتزم الدول العربية بتقديم الدعم للقوات المسلحة والاقتصاد الوطني.

أعلن النابلسي في بداية شباط 57 وبعد توقيع اتفاقية التضامن العربي والمعونة العربية أن الرابع من شباط سيكون بداية التفاوض رسمياً مع الجانب البريطاني لإنهاء المعاهدة البريطانية الأردنية، ويحدد النابلسي أسماء الوفد الأردني المفاوض برئاسته.

تداعيات مبدأ «ايزنهاور» !

الملك سعود بعد عودته الرسمية من واشنطن في 23/2/57، يطلع اعضاء القمة العربية الرباعية في القاهرة، التي ضمت الأردن ومصر وسورية والسعودية، عن بزوغ مشروع مبدأ ايزنهاور لملء الفراغ لمقاومة المد الشيوعي في العالم وشروط العضوية فيه.

الملك حسين بعد عودته مع النابلسي من قمة القاهرة العربية، يطلع الحكومة على شروط العضوية في التحالف الجديد، ويطلب من الحكومة قبول المساعدات الاميركية والشروط الاخرى.

بتاريخ 24/2/1957تصدر الحكومة بيانا وقرارا لمجلس الوزراء تقول فيه، أنها تقبل المساعدات الاقتصادية بدون شروط، من اي دولة وان الحكومة تتخذ من الحياد الايجابي مبدا لها، وأنها لن تحارب الشيوعية إلا إذا حاربتها، واستقبلت الحكومة بعدها وفوداً أميركية سياسية ودبلوماسية وصحفية عرضت الدعم المالي والسياسي للأردن.

في 13/3/1957 الحكومة الأردنية تنهي مفاوضات الاتفاقية البريطانية الأردنية إيجابياً وتكسب معركة التعويضات المالية مع بريطانيا، بعد مفاوضات صعبة وذكية شارك فيها النابلسي شخصياً ووزراؤه عبد الهادي، والصالح، والريماوي، والخطيب، وطوقان، والداود، وقائد الجيش أبو نوار، واحتفلت المملكة رسمياً عدة أيام بذلك الإنجاز الوطني.

في 27/3/57 رئيس الديوان الملكي يحمل رسائل ملكية لرؤساء مصر وسوريا، لدعم التزاماتها المالية للأردن، دون علم ومشاورة الحكومة التي استفزت واجتمعت، لتعلن الرغبة من خلال بيان في تقديم الاستقالة لأنها تشعر بالتعدي على ولايتها العامة، حيث قدم سليمان النابلسي استقالته للملك، ويرفضها الملك.

بتوجيه من الملك وترحيب حكومي، يسافر قائد الجيش علي أبو نوار وصادق الشرع بتاريخ 1/4/57 الى دمشق لمقابلة السفير السوفيتي من أجل بحث طلب المساعدات العسكرية للجيش الاردني، بعد ان تم انهاء المعاهدة البريطانية رسمياً، تبعه وفد حكومي رسمي رفيع برئاسة ارشيدات وعضوية الريماوي وضباط جيش للتفاوض، بناء على طلب الاتحاد السوفيتي، يعلن الوفد من دمشق نية الحكومة لاحقاً توقيع مذكرة تفاهم لإقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي، حيث رحب الملك أولياً بتلك الخطوة، وطلب من الرئيس تأجيل توقيع الاعتراف المتبادل إلى حين، بسبب الحساسية الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، الأمر الذي زاد من درجة التوتر بين الحكومة والقصر.

أطلق أنصار ما سمي بالحرس القديم واعداء حكومة النابلسي وقوى الشد العكسي وبعض الضباط الطموحين للوصول الى الرئاسة الاشاعات حول عدم رضا الملك عن الحكومة، وقرب رحيل الحكومة، وعملوا سراً لإثارة الناس على الحكومة، وعلى علاقاتها القريبة مع الاتحاد السوفيتي.

بداية نهاية حكومة النابلسي!

قامت بعض كتائب الجيش بتاريخ 8/4/57 بتطويق مداخل عمان لأغراض اجراء عد مروري (عملية هاشم) دون التنسيق مع وزير الدفاع وإعلام الحكومة رسمياً، الأمر الذي اغضب القصر والملك وزاد التوتر مع الحكومة، وتم استدعاء الرئيس النابلسي للحضور حالاً واتهمه بـ محاولة تدبير انقلاب مع الجيش ضد النظام، والنابلسي الذي لا يعلم عن الحادثة مطلقاً، ينكر علم حكومته عن الموضوع ويقدم استقالته للملك بخط اليد تحملاً لمسؤوليته عن الحكومة، ويتحفظ الملك عليها، والنابلسي الغاضب يجمع أركان حكومته لتحديد المسؤولية عما حدث.

قائد الجيش أبو نوار يحمل المسؤولية لمدير الأمن العام طبارة ويتهمه بالتقصير لعدم اعلام الحكومة بالعد المروري، ويطلب من الحكومة إحالته للتقاعد، و تم تعيين محمد المعايطة بموافقة الملك مديرا للأمن العام، وهو من تنظيم الضباط الأحرار.

قد تكون عملية (هاشم) المرورية هي بداية مسلسل الإطاحة بالحكومة، بغض النظر عن أسباب اجرائها، أو من أعطى الأمر باجرائها، وعدم إبلاغ الحكومة بذلك، الامر الذي خلق حالة من الشك بين الملك والاطراف الحكومية والجيش، استغله الحرس القديم واعداء حكومة النابلسي لتأليب الملك ضد الحكومة وضد تنظيم الضباط الأحرار والمطالبة بتقديمهم للمحاكمة وإقالة الحكومة، في المقابل سعى البعض الشعبي والحزبي من أنصار الحكومة البرلمانية، لتحريض الحكومة ضد بعض المسؤولين الحكوميين وتحميلهم اسباب التوتر مع القصر، وطالبوا الرئيس مرارا بإقالتهم من أجهزة الدولة، الأمر الذي رفضه النابلسي جملة وتفصيلا بسبب مخالفة ذلك للدستور الذي التزم به النابلسي.

الملك يطلب استقالة النابلسي، بتاريخ 10/4/57، من خلال رئيس الديوان الملكي، وتقديم استقالة حكومته حسب الدستور، ويقدمها النابلسي فوراً.

الملك يطلب بنفس التاريخ من شخصية معروفة، هي د. حسين فخري الخالدي تشكيل الحكومة الجديدة، ويفشل الرئيس المكلف الخالدي بسبب رفض الأحزاب والنواب التعامل معه، مما ساهم بازدياد التوتر في الشارع الأردني، خصوصاً بعد اصطفاف الإخوان المسلمين مع الحرس القديم ضد حكومة النابلسي والأحزاب اليسارية والقومية، مما حفز تنظيم الضباط الأحرار وأنصار الحكومة بالدعوة الى قيام مظاهرات تأييد للنابلسي ورفاقه المستقيلين.

حكومة إنقاذ وطني!

بتاريخ 13/4/57 وبعد استقالة حكومة الخالدي الأولى وازدياد التوتر على الساحة، الملك يكلف الوزير عبد الحليم النمر الحمود نائب الرئيس النابلسي السابق، تشكيل حكومة انقاذ وطني، لفك حالة الانسداد السياسي الداخلي السائدة، بدون بعض وزراء التوتر في حكومة النابلسي السابقة (الريماوي والصالح)، حيث وافق الحزب الوطني، زعيم التالف الحزبي مقدماً على فكرة التعديل.

رئيس الحزب الوطني، ولإنجاح الرئيس المكلف النمر، يعلن رسمياً عدم اشتراك النابلسي وارشيدات في الحكومة الجديدة، ولكن حزب البعث أصر على وجود الريماوي وزيراً للخارجية ووزير بعثي اخر في أي حكومة(الرزاز)، الامر الذي اربك واخر جهود الرئيس المكلف النمر عن تقديم اسماء حكومته النهائية للملك، ويفشل الحمود في تشكيل حكومة انقاذ وطني.

وحدات من الجيش في معسكرات الزرقاء بتاريخ 13/4/57 تفتعل المشاكل والاشتباك فيما بينها ويقتل جنديان ويذهب الملك لزيارتهم وتفقدهم، وقد تم تحميل المسؤولية لبعض اعضاء تنظيم الضباط الاحرار، حيث قامت مظاهرات في المعسكر قادها رموز الإخوان المسلمين تهتف للملك ضد قائد الجيش أبو نوار وضد حكومة النابلسي، بعدها بساعة قدم قائد الجيش أبو نوار استقالته ويقبلها الملك ويسافر أبو نوار بمعرفة وسماح الملك إلى سوريا لاجئاً سياسياً.

بتاريخ 15 /4/57 الملك يعقد اجتماعاً واسعاً مع النواب والشخصيات الوطنية والاحزاب في الديوان الملكي، لبحث احتواء التوتر العام، ويتم التوافق على رأي الملك، الذي كلف د. حسين الخالدي مرة اخرى لتشكيل الحكومة من قوى وشخصيات عامة، والحزب الوطني والجبهة الوطنية يدعوان لدعمها بعد أن أعلن النابلسي دخوله وزيراً للخارجية والرؤساء السابقون، فوزي الملقي وسعيد المفتي وزراء في حكومة الخالدي، وإعلان تعيين علي الحياري قائداً للجيش.

الملك يأمر بتشكيل لجان تحقيق عسكرية بتاريخ 18/4 والتوتر يسود الساحة الاردنية بعد ان تم سجن بعض الرتب من تنظيم الضباط الاحرار بحجة محاولة تدبير انقلاب ضد النظام، والريماوي يغادر إلى سوريا.

قائد الجيش الجديد علي الحياري يغادر في 20/4 إلى دمشق في مهمة ويعلن استقالته من هناك ويصبح لاجئاً سياسياً في دمشق.

بتاريخ 22/4/57 المعارضة الحزبية والبرلمانية والوطنية وبسبب التوتر في العاصمة عمان، تنتقل الى مدينة نابلس وهي تشعر بقرب الصدام مع مؤسسات النظام بسبب تشكيل لجان التحقيق العسكرية، وتعقد المؤتمر الوطني للمعارضة بوجود 23 نائبا، ووزراء وشخصيات سياسية وازنة، وترفع سقف مطالباتها السياسية وتصدر بيانا ثوريا، تدعو فيه من هناك: حكومة الخالدي الجديدة الى الاستقالة، وإلغاء لجان التحقيق العسكرية والإفراج عن المعتقلين السياسيين وعودة الضباط الأحرار من سوريا، والاتحاد مع سوريا ومصر، ودعوة الشعب إلى الإضراب العام يوم 24/4.

أحكام عرفية وحل الاحزاب!

الملك يوعز لرئيس وزراء أسبق هو إبراهيم هاشم، بعد استقالة حكومة الخالدي بتاريخ 24/4، وبعد بدء سريان الإضراب العام في مدن المملكة. تشكيل الحكومة يكون فيها سمير الرفاعي نائباً له والحكومة تعلن الأحكام العرفية وحل الأحزاب، ما عدا جمعية الإخوان المسلمين، والعديد من الضباط والوزراء والنواب يغادرون إلى سوريا. والنابلسي يرفض مغادرة الأردن ويوضع تحت الإقامة الجبرية في بيته لسنوات.

بقيت المعارضة الأردنية، من وزراء ونواب وضباط جيش سابقين لسنوات متواجدة بالخارج في مصر وسوريا تلقى دعم مصر إلى أن جاءت حكومة وصفي التل ذات التوجه المنفتح على القوى الوطنية، لتستقطب بتوجيه من الملك، القوميين والبعثيين مثل إبراهيم قطان، عبد الحميد شرف، خليل السالم، ذوقان الهنداوي، ابراهيم الحباشنة، سالم مساعدة، هذا الاستقطاب مهد لإصدار قانون العفو العام عن كل السياسيين والعسكريين في الخارج في 6/4/65 حيث عاد جميع اللاجئين السياسيين من مصر إلى الأردن واستلم بعضهم مراكز حساسة في أجهزة الدولة.

أسباب الاستقالة والإقالة لحكومة النابلسي!

أكدت معظم الوثائق الرسمية والغربية للسفارات، وتسلسل الأحداث، أن النابلسي وحكومته يؤمنان بالمطلق بالنظام الملكي، والدستور، ولم يسعيا مطلقاً إلى الانقلاب على النظام الملكي، كما حاولت بعض المصادر الإعلامية المغرضة أن تروج لذلك.

سلمية نهج النابلسي

الدليل القطعي لسلمية نهج النابلسي هو تقديم استقالته للملك اكثر من مرة ايمانا منه بالدستور وحق الملك في ذلك، كما ان النابلسي قبل العمل وزيرا في حكومة د الخالدي اللاحقة لاستقالته الرسمية لتفادي التصعيد المتزايد على الساحة الاردنية. كما قبل النابلسي الخروج من الوزارة حين امر الملك بتشكيل حكومة انقاذ وطني، برئاسة عبد الحليم النمر الحمود. كما ان النابلسي رفض مغادرة الاردن اثناء الاحكام العرفية.

مع كل ذلك لا بد من التأكيد أن النابلسي كان رجل دولة وفكر تقدمي متميز، آمن بالوطن والعروبة، وآمن بالشعب مصدراً للسلطات، وكان قائداً سياسياً شعبياً وانسانياً ذا خبرة عالية بأصول العمل السياسي الشعبي والحزبي والرسمي، نظيف اليد والفرج، يحترم روح الدستور ويؤمن بسيادة القانون والنظام الملكي لا يؤمن ولا يفكر بالعنف والانقلابات يحظى باحترام الشعب والدول والقادة واحترام النخب السياسية.

الأسباب المتراكمة للإقالة !

قد تكون أسباب الإقالة مجموعة من الاسباب، تدور حول المفاصل التاريخية للإقليم الملتهب،، لعل ابرزها قبول الاردن مشروع ايزنهاور وبداية الحرب الباردة وصراع المعسكرين على الساحة العربية، وموقف حكومة النابلسي من اقامة علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي، وتأثر الحكومة والشارع الاردني بموقف الثورة المصرية وافكار عبد الناصر الصاعد المتدخل في سياسات الاقليم ومبدأ الحياد الإيجابي الذي نادى به ووجود تحالف لقوى الشد العكسي المحلي والخارجي ضد حكومته.

وقد يكون من الاسباب التي دعت للإقالة، الجدل داخل حكومة النابلسي حول موضوع حدود الولاية العامة الذي آمنت به حكومة النابلسي واعتبرته حقا لها، وما تبعه من انفتاح النشاط السياسي الحر العام على مصراعيه، واجواء الحريات وسقف التعبير العالي للقوى القومية واليسارية المفرط على الساحة الأردنية اثناء فترة حكومة النابلسي.

وقد تكون علاقة بعض وزراء النابلسي السياسيين الحزبيين بالقوات المسلحة من خلال تنظيم الضباط الاحرار، ساهمت بالتوتر مع القصر، وهو الذي حذر الملك حكومة النابلسي منه.

وقد يكون من الأسباب التي ادت للإقالة ارتفاع سقف مطالبات المعارضة وقراراتها في مؤتمر نابلس الاخير بوجود 23 نائبا من اصل 40 نائباً في 22/4/57 ودعوته الشعب للأضراب العام الذي بدأ بالفعل، الامر الذي أزعج النظام.

رؤية الملك حسين الحكيمة

في الجانب الآخر من المشهد، لقد اكد الملك الشاب الحسين، المتشوق لعصر نهضة عربية جديد، ومذ توليه السلطة، احترام تطلعات الوطن والشعب من خلال تعريب قيادة الجيش واجراء الانتخابات النزيهة، وتكليف تآلف الاحزاب القومية واليسارية ذات الاغلبية النيابة ورئيسها، بتشكيل الحكومة البرلمانية، وهي عملية غير مسبوقة في الحياة السياسية الاردنية والعربية.

لقد احترم الملك من موقع القوة، ما تتمتع به حكومة النابلسي من تأييد شعبي وبرلماني وتأثير سياسي داخلي وعربي، الامر الذي حاول الملك دعم استمراره، رغم الاحداث والتوترات والصدامات اليومية، وطلب الملك من النابلسي تعديل حكومته لإزالة التوتر من الساحة.

لقد كلف الملك نائب النابلسي، النائب والوزير عبد الحليم النمر الحمود، بتشكيل حكومة انقاذ برلمانية، (لحزبه الوطني الاشتراكي الاغلبية في البرلمان)، وتحظى بتأييد تآلف الاحزاب القومية، احتراماً منه للشرعية البرلمانية.

إلا أن غطرسة القوى العظمى وشروط مشروع ايزنهاور، وتعنت بعض قوى الرجعية العربية المجاورة للأردن من خوف عدوى انتشار الديمقراطية، وتسرع وهيجان بعض قوى الشارع اليسارية(مرض الطفولة)، وجهل البعض الاخر لتداعيات واستحقاقات النظام العالمي الجديد، اطاح كله بحكومة النابلسي، وبالعمل الحزبي، وبتجربة الحكومات البرلمانية حتى يومنا هذا.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }