يعجُّ القاموس السياسي والحزبي اللبناني بكثير من المصطلحات والأوصاف، وخصوصاً التصريحات الرنّانة المحمولة على تفسيرات طائفية ومذهبية، تنطوي في معظمها على مفاهيم عنصرية، وإن كان أصحابها يأتون في معرض الدفاع عن نصوص الميثاق، الذي وُضِع قبل ثمانية عقود تقريبا (1943)، ولم يتم تغيير اياً من مواده أو الاعتبارات التي وقفت خلف صِيغِه الملتبسة، التي جرى إدراجها في ظروف مغايرة لتلك التي طرأت لاحقا وباتت جزءا من حقائق المشهد اللبناني المعقّد.
ما علينا..
يهرع السياسيون اللبنانيون وبخاصة مُتزعِّمو طوائف ومذاهب مُقّنعة باسماء حزبية وتكتلات نيابية واخرى مناطقية، الى الحديث عن «هيبة الدولة» المفقودَة، لا يلبث بعضهم الذهاب للتغني بهمروجة العيش المُشترَك وآخر يرفع راية الحفاظ على «المناصَفة» بين عنصري «الأمة اللبنانية» (المسيحيون والمسلمون)، رغم سقوط المعادلة هذه اكثر من مرة، في الشارع وعلى ارض الواقع. لكن احداً لا يريد دفن تلك الصيغة او تعديلها او حتى مجرد المُطالَبة باجراء تعداد سكاني، تضيء أرقامه على معطيات جديدة يتم الاسترشاد بها، إذا ما وعندما حاول احد الاطراف التمترس خلفها لتمرير مشروع ما. دون ان يعني ذلك إلغاء المناصفة او حتى تفعيل إحدى مواد اتفاق الطائف الشهير، الذي يتقدم «ميدانياً» وعملياً على الميثاق في تطبيقه، والقائلة بضرورة إلغاء للطائفية السياسية.
وها هما عقدان انقضيا على اتفاق طوى صفحة الحرب الاهلية، لكن احداً لا يتحمّس لإلغاء هذه اللعنة، التي تُبقي لبنان وخصوصا شعبه أسير مصالح السياسيين وامراء الحرب السابقين وقادة المحاور والزواريب، المُتّكِئون في غالبيتهم على دعم المرجعيات الدينية الجاهزة للوقوف خلفهم وقيادة عمليات التحشيد واصدار الفتاوى والبيانات وشدّ العصب الطائفي والمذهبي. ببُعديه المسيحي و الإسلامي.
حال الإحتقان الراهنة التي تعصف بلبنان، بعد مواجهات مُسلّحة أخذت لاول مرة طابَعاً درزياً، نشأ عن إشكالات ورواسب سابقة وعميقة، ما يزال التراشق بالإتهامات المتبادلة حولها يتصاعد، رغم محاولات تهدئة الأمور والحؤول دون توسّعها وبخاصة في جبل لبنان، بين انصار وليد جنبلاط الذي بدأ يشعر بتراجُع نفوذه ودوره في لبنان والجبل تحديداً وربما في طريقه للوقوع في عزلة سياسية، فيما منافِسه «المَذهَبي» طلال أرسلان يسعى الى تدفيع جنبلاط كلفة سياسية باهظة، بعد إقدام انصار الأخير على اعتراض موكب وزير موال لأرسلان وقتل اثنين من مرافقيه.
عادت حكاية المناطق «المٌغلَقَة».. طائفياً ومذهبياً بعد ان طواها (نسبياً) اتفاق الطائف والمصالحات الشكلية التي جرَت، الى واجهة الأحداث وقيل في تفسيرها انه كان على جبران باسيل صِهر الجنرال عون.. دخول جبل لبنان من أبوابِه وليس من الشبابيك، ما فُسِّر - وهو كذلك - على عدم جواز تجّواله سياسياً وحزبياً في منطقة نفوذ وليد بيك، إلاّ بعد استئذانه. وما يزال الجدل مستمراً ومحاولات احتوائه لا تتوقف.