كشفت وقائع الأيام الثلاثة التي توقّف فيها «التفاوض» بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير, التي قادت وما تزال الحِراك الشعبي السوداني الواسع, الذي أفضى الى اقتلاع «جزئي» لنظام البشير، وبخاصة ان التوقّف جاء بناءً على «قرار» من «العسكري», ساق خلالها جملة من الاتهامات لقوى الحرية والتغيير, منها قيامها بحملات تصعيدية على مستوى الشارع والخطاب الإعلامي, واستفزاز افراد وضباط الجيش وقوات الدعم السريع.
نقول: كشفت من ضمن أمور اخرى, محاولة من العسكري للالتفاف على ما تم التوصّل اليه من تفاهمات وبرامج زمنية مع قوى الحرية والتغيير, قيل انها وصلت حدود 95% مما هو على جدول الأعمال, ولم تبقَ إلى تفاصيل إجرائية يمكن التوافق عليها قريباً. لكن اطرافاً داخل المجلس تبدو راغبة في التنصّل من هذه التفاهمات, والرهان على قوى احتياطية تضرّرت من «اعتراف» المجلس بقوى اعلان الحرية والتغيير ممثلاً وحيداً للحِراك, الامر الذي استدعى هؤلاء الى مغازَلة بعض اعضاء المجلس, كي يكونوا لهم عوناً وأداة، يلوّح بها العسكر للحصول على تنازلات من قوى الحرية والتغيير, واطالة «عمرهم» في السلطة. بانتظار حدوث تغييرات في موازين القوى او حدوث تصدّع في صفوف قوى الاعلان, ما يمنحه فرصة اخرى للعِب على خلافات المعارضة, كما كانت حال نظام البشير الذي واصل دق الأسافين وانتهاج سياسة العصا والجزرة, مع بعض احزاب المعارضة التي تشظّت وفشلت طوال ثلاثة عقود في إسقاط نظامه أو دفعه لتقديم تنازلات.
اللافت في ما يجري هو بروز ثلاث قوى أعلنت رفضها «الاتفاق» الذي تم التوصل اليه بين المجلس وقوى الحرية والتغيير, ورأت فيه إقصاء لها وعزلاً واستبعاداً, قال بعضها بأن ذلك سيولّد العمل السِرِّي الذي من شأنه إتاحة الفرصة السالبة للأعمال الارهابية(...), وهو ما تحدّث عنه تحالف أطلق على نفسه «تحالف الوِفاق», فيما برز تحالف آخر اسمى نفسه «قوى السلام والعدالة المتحدة», وكان تزَلّفَه واضحاً ,عندما أعلنَ «دعمه» القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. أما ثالث هذه القوى فهو الأكثر إثارة للريبة والشكوك, ونقصد هنا «الحِراك السلَفِي» الذي صوّب بشراسة على قوى إعلان الحرية والتغيير ووصفها بأنها «مجموعات عَلمانِية مُناهِضة للدين».
يعلم السودانيون أن الذين يقفون خلف هذا الحراك المشبوه والاحتياطي الدائم للنظام المخلوع, كان بعضهم مسانداً للبشير ومبرراً لاستبداده وفساده, وبعضهم الآخر متهما بالانتماء لـ «داعش», ناهيك عن بقايا حزب المخلوع (المؤتمر الوطني) الذي تتحيّن فلوله الفرصة, للانقضاض على الحراك وإفشاله.
قوى إعلان الحرية والتغيير تعامَلت وما تزال مع هذه الهجمات والتحرّكات المُبرّمَجة بهدوء وبُعد نظر, وواصلت تعزيز تفاهماتها الداخلية وبخاصة أنها تضم أكثر من 80 حزباً ونقابة ومنظمة مدنية، وتقف بحزم أمام مناورات «العسكري», مُهدِّدة بتنظيم عصيان مدني يوم الخميس المقبل في حال واصل المجلس المراوغة والرهان على تصدّع صفوف «قوى الحرية».
kharroub@jpf.com.jo
مَنْ يَرّعى «الثوّرَة المُضادّة».. في السودان؟
12:15 20-5-2019
آخر تعديل :
الاثنين