الزيارة التي يبدأها اليوم رئيس الدبلوماسية الاميركية بومبيو لموسكو، تحت الأضواء والمتابَعة كونها تأتي في ظروف دولية مُعقّدة, وبخاصة بعد «النشوة» التي استبدّت بترمب وبطانته, إزاء ما خلُص اليه المحقق الخاص مولر في شأن علاقات «المُرشح» الرئاسي ترمب مع روسيا وخروجه «بريئاً»، الأمر الذي انعكس ايجاباً ولو في شكل مؤقت على العلاقات المتوترة بين البلدين، كما تجلّى ليس فقط في المكالمة الهاتفية الطويلة بين الرئيسين الروسي والاميركي، حيث وصفها الأخير بأنها ايجابية وبناءة، وإنما ايضاً في الزيارة التي يقوم بها بومبيو لروسيا واللقاء المهم الذي لم يكن مُدرجاً على جدول أعماله مع الرئيس بوتين, ما عكس تفاؤلاً حذِراً في اوساط عديدة, ذهب بعضها حدود توقّع حدوث تهدِئة وتعاون في الملفات الدولية الساخنة التي قال بومبيو انه سيبحثها مع نظيره الروسي، كذلك مع بوتين بدءاً من سوريا واوكرانيا مروراً بايران وفنزويلا وكوريا الشمالية.
وإذ يؤشر جدول الأعمال ضمن أمور اخرى, الى «اعتراف» اميركي بالدور الروسي الحيوي في القضايا والملفات الدولية, بعد طول إنكار وغطرسة اميركية ترفض دوراً كهذا ومحاولات لا تنتهي لمحاصرتها وتخريب علاقاتها مع حلفائها, واتهامها بدعم أنظمة شمولية وفاسدة، فإن ما راكمته الدبلوماسية الروسية المحمولة على فعل عسكري ميداني, خلال السنوات الخمس الأخيرة وبخاصة في شبه جزيرة القرم وسوريا وفنزويلا وتركيا (صفقة S-400) واتساع دائرة علاقاتها مع الشرق الاوسط, فضلاً عن التوسّع اللافت في العلاقات الروسية الصينية، ربما تكون أجبرت ادارة ترمب وخاصة صقورها وحزب الحرب فيها, على التعاطي بواقعية مع المتغيرات الدولية التي لا تسمح لواشنطن بمزيد من تجاهل موازين القوى وغياب اي دعم دولي وبخاصة اوروبي غربي لخطوات وقرارات ادارة متهورة لا تقيم وزناً لمصالح شركائها ولا تعير اي أهمية للقانون الدولي بدءاً بنسف أُسس حل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي, وليس انتهاءً بالإنسحاب من الاتفاق النووي مع ايران وإعادة فرض العقوبات عليها, والتلويح بغزو عسكري لفنزويلا, لإسقاط الرئيس مادورو، ناهيك عن تسيير الأساطيل والقاذفات الإستراتيجية والبوارج نحو الشرق الاوسط, في تظاهرة عسكرية, يُدرك سيد البيت الابيض انها لن تكون نزهة لقواته في ضوء هزائِمها الموصوفة في العراق وافغانستان.
مباحثات بومبيو مع نظيره الروسي لافروف لن تكون سهلة, وستكون مهمته اكثر صعوبة مع سيد الكرملين, الذي يبدو وكأنه ضاق ذرعاً بالغطرسة الأميركية, وإصرارها التعاطي مع مناطق وبؤر التوتر في العالم بمنطق القوة والحرب بعيداً عن لغة المصالح المتبادَلة والقانون الدولي.
قد يكون فشل المحاولة الانقلابية التي نظمتها المخابرات المركزية في فنزويلا والتقدّم الذي احرزه الجيش السوري على «جبهات» إدلب, وربما يكون الملف الاكثر سخونة هو التوتر الايراني – الاميركي المتصاعِد, حيث لا تخفي موسكو دعمها مواصَلة التِزام أطراف الإتفاق النووي بنوده واستحقاقاته, فرصة لتبريد المَلّفات لا تسّخينِها.
الكُرة في مَلعبِ واشنطن.