كتاب

هل يتكرّر «سيناريو فنزويلا».. في تركيا؟



لم تُهدّد إدارة ترمب الرعناء بذلك، ولم تُلوّح المعارَضة التركية بهذا الخيار، رغم محاولات حزب العدالة والتنمية وخصوصاً رئيسه (أردوغان) ومرشحه لرئاسة بلدية اسطنبول (يلدرم) مواصَلة الطعن في نتائج الانتخابات المحلية, بعد خسارته المُدوية في اكبر مدينتين (اسطنبول وأنقرة) بما تُمثلانه من ثِقل سياسي واقتصادي وجماهيري وخصوصاً معنوي.

مَنْ استحضر السيناريو الفنزويلي هو يلدرم، رئيس الوزراء السابق المُستقيل من رئاسة مجلس النواب لخوض معركة رئاسة بلدية اسطنبول, امتثالاً لرغبة أردوغان، الذي أراد الزجّ به في معركة ظن انها ستكون سهلة, كما حالها طوال ربع قرن منذ بزوغ نجم اردوغان, الذي انطلق مشواره السياسي والشخصي من ميادينها, وصولاً الى رئاسة الحكومة ولاحقاً قصر شنقايا الرئاسي, الى ان استقرت به الحال في المجمع الرئاسي الضخم الذي يضم في جنباته اكثر من ألف غرفة (1501).

يلدرم الذي لم يفِق بعد من صدمة الخسارة المدوية التي الحقها ناخبو اسطنبول به وبحزبه, اتّهم اكرم امام اوغلو مُنافِسه الفائز الذي يسعى حزب يلدرم لسرقة فوزه, بـ«محاولة مُمارسة ضغط دولي يُغضِب الشعب التركي» ولم يتردّد في تحذير مُنافِسه من «محاولاتٍ» لتكرار سيناريو فنزويلا, ما اثار استهجان قطاعات اعلامية وسياسية ومنظمات حقوقية من اتهامات وتحذيرات كهذه، يكاد أصحابها لفرط فزعهم استحضارها لاتّهام خصومهم, فيما هؤلاء (المعارَضة) لا يريدون من الحزب الحاكم ورموزه سوى الاعتراف بما افرزته الصناديق, وعدم اللجوء لطرق احتيالية لسرقة النتائج. عبر اساليب طالما رفضتها الهيئة العُليا المشرِفة على الانتخابات التي عيّن الرئيس التركي رئيسها وأعضاءها، عندما كانت المعارضة تطعن في نتائج انتخابات «بلدية» سابقة ولم تُقبَل أي طعون, كما هي حال الانتخابات الراهنة التي – وللغرابة – يتم فيها إعادة فرز وعدّ الاصوات «المُلّغاة». وربما تنتهي الامور اذا ما واصَل الحزب الحاكم رفضه الإقرار بهزيمته في اسطنبول وانقرة,الى قيام الهيئة العليا بـ«إلغاء» الانتخابات في هاتين المدينتين, ما يفتح الطريق على مواجَهة قد تقود الى تدخّل خارجي (بالمعنى السياسي) ورفض الإعتراف بشرعية أي نتائج تترتب على انتخابات جديدة, وصولا الى فرض «عقوبات» على مدينتي انقرة واسطنبول في حال قرّرت احزاب المعارَضة مقاطعة الانتخابات الجديدة. وهو سيناريو كان حاضرا في ذهن يلدرم, الذي يريد وَصمَ مرشح المعارضة الفائز أَكرم اوغلو بانه النسخة «التركية» من خوان غوايدو الفنزويلي, دمية الاميركان الذين اعترفوا به رئيسا لفنزويلا كحصان طروادة لإطاحة الرئيس الشرعي المُنتخَب مادورو.

قد تكون تحذيرات يلدرم مجرد انعكاس لحجم وقسوة الصفعة التي وجهها جمهور اسطنبول له ولحزبه, إلاّ ان ذلك يعكس ضمن امور اخرى كيف ينظر حزب الرجل الواحد (العدالة والتنمية بخلفيته الإسلاموية المعروفة) الى الديمقراطية, مفهوما وممارسة. وهي في نظرِه ليست سوى محطة «وحيدة» للقفز الى عربة السلطة, وبعدها تجري عملية «تقنين» لها تُفرِغها من محتواها وتحيلها الى مجرد ديكور خطابي, فيما على ارض الواقع يتم تسخير مقدرات الدولة ومواردها وامكاناتها لخدمة الحزب الواحد الذي يكاد لا يرى المعارضة (اي معارضة) من مسافة متر واحد.. وإلاّ لماذا لا يعترِف بـِ«النتائج» ويستخلِص دروس الإنتخابات.. وعِبرِها؟.

kharroub@jpf.com.jo