الجزائر: بعد «التنَحّي».. قبلَ «الفوضى»
12:30 4-4-2019
آخر تعديل :
الخميس
كان لصفحة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة أن تُطوى, سواء عجّلت المؤسّسة العسكريّة بذلك بعد أن تناهى إليها أن رجل الاستخبارات القوي (السابق) الفريق «محمد مدين»، قد تمت الاستعانة به لايجاد سيناريو يحول دون خروج بطانة بوتفليقة من المشهد دون ضمانات, أم بعد عدول «المجاهد» عن ترشّحه وتسريب خبر بمغادرَتِه قصر المرادية قبل الثامن والعشرين من الجاري, بانتهاء عهدته الرابعة. وربما كان القدر سيسبِق الاحتمالين السابقين, وبالتالي كانت الجنازة المهيبة التي ستُرتب له كفيلة بحفظ مكانته ودوره في جزائر ما بعد العشرية السوداء, التي أسهَم في إطفاء نيرانها وأعاد الأمن والاستقرار للبلاد. وإن كان يُؤخَذ عليه رغم ذكائه وحِنكته السياسية والدبلوماسية, أنه قرّب أصحاب الولاء والمصالح والفاسدين على أصحاب الكفاءة, ولم ينجح وبخاصة بعد مرضه في التخلّص منهم بل بات أسيراً لديهم. وربما – وهذا ما ستكشِفه الأيام رغم التسريبات العديدة والأوصاف, التي تُطلَق على تلك البطانة كـ «العصابة» كما جاء في بيان رئيس الأركان الأخير والحاسم, الذي كان مثابة إنذار نهائي – نقول: ربما هُم من كان يُدير الجزائر خلال العهدة الرابعة, اشتدّ المرض على بوتفليقة.
أيّاً كانت الملابسات (التي لن تبقى سِرية) التي دفعت بوتفليقة لإعلان تنَحّيه, فإن ما يبرز الآن - بالإضافة إلى دور المؤسسة العسكرية المُمّسكة جيداً بالمشهد - قبل تنحّي بوتفليقة وبالتأكيد حالياً- هو غياب أي سيناريو يمكن تطبيقه لإدارة عملية انتقال سلِس للسلطة. سواء في المرحلة الإنتقالية أم في التأسيس للجمهورية الثانية, التي قد لا يكون فيها حزب جبهة التحرير الوطني الذي قاد البلاد منذ الاستقلال, جزءاً من المشهد الجزائري الجديد.
هل قلنا حزب جبهة التحرير؟
نعم، إذ ثمّة دعوات بدأت بالظهور تُنادي بحلّ هذا الحزب (إقرأ اجتثاثه) وعدم السماح له بالعمل السياسي. ما قد ينذر بأنّ عملية تطهير وانتقام ستبدأ ضد رموز وهيئات ومؤسّسات الجمهورية الأولى, وهو أمر قد يضع بلد التجربة الدموية المُسمّاة العشرية السوداء,على طريق الفوضى والاقتتال الداخلي، وإن كان ثمّة مَن يرى أن تلك التجربة المُرّة وربما بسببها, لن يجرؤ أحد على مُجرّد التفكير بالانزلاق إليها. بعد أن لم يَخرج أحد منها رابحاً ليس ثمّة ما يمكن الرهان عليه الآن, إذا ما بقيت أحزاب المعارَضة الجزائرية عند مواقفها المُعلَنة, برفض كل ما طرحته المؤسسة العسكرية من تفعيل للمواد 7و8 وخصوصاً 102 من الدستور، وبخاصة أنها, فضلاً عن انقساماتها المعروفة, لا قُدرة لديها على ضبط الشارع الذي أعلَن رفضَه مشاركَتَها احتجاجاته منذ 22 شباط الماضي، كذلك سيكون من الخطأ مُواصَلة المؤسسة العسكرية التي أعلنَت إنحيازها لمطالب الشعب, الإمساك بخيوط اللعبة وتفويت الفرصة السانحة بالإبتعاد عن الساحة السياسيّة تدريجيّاً, والاكتفاء بمواكبة عملية انتقال السلطة دستوريّاً وفق ما تقرّره المؤسّسات القائمة, التي لم تفقِد دورها ومكانتها إلى حين إجراء انتخابات برلمانيّة ورئاسيّة جديدة، تسمح لاحقاً بعودة (أو بقاء) الجيش في ثكناته. لأن ما حدث في الساعات الأخيرة لم يكن انقلاباً عسكريّاً بالفعل لكنه كان أقرب إلى ذلك. حتى لو قيل لاحقاً إن «صفقة» ما, عُقدَت مع بوتفليقة (وليس بِطانَتِهِ) ضَمِنت الخروج الآمِن..لَه.
kharroub@jpf.com.jo