كتاب

واشنطن والقرارات الصادمة

الأحزاب الحاكمة في الولايات المتحدة تختلف حول الكثير من القضايا المحلية والدولية الا أنها تلتقي وتتفق حول الانحياز لاسرائيل ودعمها وحمايتها والالتزام بأمنها ومصالحها، الا أن هذا الالتزام يبقى ضمن حدود معينة تفرضها المؤسسات والمصالح الاميركية. ولكن الرئيس ترامب تجاوزها بقراراته الفردية الصادمة غير المدروسة.

الادارة «الترامبية» لم تحل اية أزمة أو مشكلة داخلية او خارجية، بل نجح ترامب في تفجير كل الازمات مرة واحدة، وتلاعب بمشاعر الشعب الاميركي عبر حراك سياسي ودبلوماسي فاشل، حيث اوهم شعبه أنه القادر على حل الازمات مع الصين وكوريا وروسيا وتركيا، والتقى بقادة هذه الدول، الا أنه زاد الأمور تعقيدا، اضافة الى مشكلاته الصعبة المتوترة مع ايران وسوريا والسلطة الفلسطينية ومعظم الدول الاوروبية.

لم يتوقف سلوك ترامب عند هذا الحد، بل لجأ الى التصعيد بفرض العقوبات وتشديد الحصار على معظم هذه الدول. كما عمل على تحويل البيت الأبيض الى مكتب عقاري وهي مهنته السابقة «تاجر عقارات»، ولكنه يتصرف بالعقارات التي لا يملكها، حيث قام باهداء القدس والجولان لاسرائيل. بداية نقل سفارة بلاده الى القدس واعلنها عاصمة ابدية لليهود، وبذلك اغلق ملف المفاوضات وحل الدولتين الى الأبد، رغم أن توقيع معاهدة السلام تم في البيت الأبيض في العام 1993.

وآخر قرارات «المكتب العقاري» في البيت الأبيض هو اعتراف الادارة الأميركية بسيادة اسرائيل على الجولان السوري المحتل، يعني ضمه لاسرائيل، رغم رفض اهالي الجولان لهذا القرار، كما رفضوا الهوية وكل القرارات الاسرائيلية، وتمسكوا بهويتهم السورية العربية.

يبدو أن الرئيس الأميركي لم يقرأ التاريخ ولا يعرف الجغرافيا، لذلك يجب تذكيره بأن المفاوضات السورية الاسرائيلية كانت حول الجولان وليس جزر القمر، وقد عرضت اسرائيل حلا يقضي باقامة محطة انظار مبكر في الجولان والحصول على حاجتها من مياه بحيرة طبريا مقابل الانسحاب من الجولان المحتل، ويبدو أن ترامب لم يسمح بقصة «وديعة رابين» وقد وافق على هذا الحل، بعد اغتيال رابين، كل من شمعون بيريز وأيهود باراك ونتنياهو أيضا.

لكن الرئيس الأميركي اليميني المحافظ ومعه نتنياهو الأكثر يمينية، ينسقان معا من أجل الانتخابات في اسرائيل وفي واشنطن، مع اختلاف التوقيت، يعني اعتماد سياسة «أعطيني بعطيك» دون الالتفات لقوانين الشرعية الدولية التي يحتمي بها الضعفاء عادة.

هناك حقيقة أخرى تفيد أن قرار ترامب المتعلق بالجولان جاء نتيجة فشل المشروع الاسرائيلي - الأميركي بجناحيه، وأعني تفكيك الدولة السورية وتقسيم ارضها وشعبها أولا، وسقوط صفقة القرن ثانيا. ولكن من الواجب أن نؤكد أن الاعلان الأميركي بشأن القدس الفلسطينية العربية المحتلة ومرتفعات الجولان السورية العربية المحتلة لن يغير الحقائق التي سطرها التاريخ بالبنادق والوثائق والدم.