كتاب

من «الكرامة» إلى معاهدة السلام

أي عبث ذاك الذي دخل ثقافتنا، فجعلني وللأسف أقول انني طالما لا أطمح بصوت ناخبين، لنيابة أو نقابة أو غيرها، فأنا أكثر شجاعة للاقتراب من (عُش الدبابير)...

هذا الوطن الأردني عندما كان العدوان العسكري قبل أكثر من نصف قرن الحالة المفروضة على المنطقة، طهّر بعضاً من نكسات الأمة بانتصار كرامة سجله التاريخ، واحتفلنا بذكراه قبل بضعة ايّام.

وعندما توفرت للمنطقة ظروف وارادة دولية دافعة باتجاه السلام تحركنا مع الاشقاء بقرارٍ عربي نحو مدريد وأنجزنا معاهدة سلام (بعد أن رأى البعض أهمية ان يخلع كل طرفٍ عربي شوكه منفرداً) وبعد ان أنجز أشقاؤنا غربي النهر قبلنا اتفاق أوسلو (وليس المجال هنا للحديث عن الانتكاسات المستمرة على المسار الفلسطيني والتي سببها الرئيسي هو ممارسات اليمين الاسرائيلي المتطرف).

نعم، معاهدة السلام الاردنية الإسرائيلية بات شن الحرب عليها هو اللازمة الموسيقية الواجب مرافقتها لكل حراك او بيانٍ انتخابيٍ، ولمعظم كلمات وحوارات مسؤولين سابقين، بعضهم رفيع المستوى.

احترم وبصدق الرأي الآخر، واقتنع أن كل من هو ليس عضواً في جهاز إدارة الدولة له الحق بموقف مخالفٍ او منتقدٍ (لقانون) معاهدة السلام، واعترف اني لا املك فقهاً قانونياً يقدم تفسيراً وتقييماً لمعنى مناكفة نواب محترمين عاملين، لمعاهدة أقرها نوابٌ محترمون آخرون سابقون وسُجلت لدى منظمة الامم المتحدة وفق المادة ١٠٢ من ميثاقها.

وقبل ان تنالني اللسعات، اعترف أيضاً ان معظم القيادات الإسرائيلية بعد اغتيال اسحق رابين، وخاصة اليمين الاسرائيلي لم تكن تؤمن بالمبادئ والمرجعيات التي انطلقت بناء عليها جهود السلام، وخاصة قراري مجلس الأمن الدولي (٢٤٢، ٣٣٨ ) وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره فوق ترابه الوطني، لذلك كانت المماطلات والمماحكات في تطبيق بعض ما اتفق عليه في أوسلو وكامب ديڤيد والقاهرة، ولكني ادرك أيضاً أن هدف هؤلاء الخفي كان دائماً نزع الإيمان بثقافة السلام من الذهنية العربية بشكل عام، والفلسطينية بشكل خاص. من أجل التباكي أمام الرأي العام الدولي بأن العرب ليسوا طلاب سلام، وأثني هنا على تمسك القيادة الفلسطينية بخيار السلام وعدم السقوط في فخ الفوضى الذي يتمناه المتطرفون في اسرائيل.

أما أنا في الاْردن، فلم أتخلَّ عن الشقيق غربي النهر في اصعب الظروف وكنت دائماً السند له، وهذا من حتميات النشأة القومية للمملكة الاردنية الهاشمية، إضافة الى خصوصية علاقة (القرب والقربى).

وعوداً على ذي بدء، فأعداء السلام وانصار التمدد الاسرائيلي يتمنون لو ان الاْردن لا يرتبط مع دولتهم بمعاهدة سلام، وأنه ليس دولة معتدلة، ولديهم غصّة في ان قيادته الهاشمية العقلانية تحظى باحترام كامل لدى كل عواصم العالم، وليس من المنطقي اتهام الاْردن، رأس الحربة في مقاومة الاٍرهاب، بأنه دولة ارهابية او دولة مشاكسة، وبذلك أصبح الاْردن الصداع الدائم امام أي مخططات تصفية غير صافية النية، وكل ما لديهم من سلاح ضدنا، سياسة التجويع غير المباشر، ويقيني أن هذه السياسة ستلحق بهم عاراً بعد حين، كما انها تجهل جوهرنا - تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها - .

قلت اني احترم رأي الآخرين ممن جعل شغله الشاغل محاربة معاهدة السلام، ولَم اذكر ما سبق لمساواتهم - حاشا لله - باعداء المعاهدة من المتطرفين الإسرائيليين، فاعلم أن النوايا متضادة تماماً لدى الطرفين، لكنها دعوة للتفكر والتفكير، وما زالت كلمات الحسين طيب الله ثراه في وصفه للمعاهدة ملتصقة في ذاكرتي: هذه هديتي لشعبي الأردني.

الحسين الراحل، أدرك الواقع آنذاك، واستشرف المستقبل الذي هو ما نعيشه الآن، وإن كنت ذكرت في مقالة أخرى أن الأردنيين ليس لديهم شكٌ في كينونتهم السياسية، الا ان هذا لا ينفي ان الاْردن يتم استهدافه، واستشراف الملك الباني سلاح، و(لا) الملك عبدالله الثاني جدار صمود في ظرف صعب، وهنا الامتحان الأصعب لصمود الشعب الأردني الواحد الموحد، واهم عناوين صموده أن لا يسمح لأي كان ممن يمارسون ثقافة العدوان والكراهية أن يسمموا ثقافة الاعتدال وعشق السلام التي ننعم بها ونريدها لأجيالنا القادمة.

سفير سابق