ليس ثمة حاجة الآن ولا في أي وقت آت, لمزيد من الشجب والاستنكار والكلام الإنشائي المقيت والمُكرّر الذي تعوّد عليه عرب اليوم على مختلف مدارسهم، سواء انتموا الى رهط «وارسو» الأحدث, ام استمرّوا على إعجابهم بما حقّقته اتفاقات كامب ديفيد, وبعدها أُوسلو الذي يكاد لا يختلف اثنان على انه مَن جاء بأسوأ الكوارث للشعب الفلسطيني بعد النكبة التي حلّت به في العام 1948. ناهيك عما يستعِدّ عرب «كوشنَر وشُركاه» من كوارث جيوسياسية للجمهور العربي. الذي ما يزال رغم كل الضربات والمِحَن التي يُواجِهها, يُبدي صموداً وإصراراً على المقاومة والرفض وارتفاعا مَلحوظا ومُتصاعِدا في منسوب التضحية, بعد ان لم يعُد لديه ما يخسره إثر «إيقاعِه» في مصاعِب معيشية هائلة ومدمرة, بسبب سياسات القمع والإفقار والتجويع والسقوط تحت خطوط البطالة والاغتراب المُجتمَعِي, وخصوصاً انعدام القدرة لديه على توفير قوتِه اليومي.
الحاجة ماسة للعودة الى جذور الصراع, بعد ان وصلت الرعونة الاميركية ذروتها, بمنح تاجر العقارات الاميركية الجولان السوري المُحتلّ للكيان الغاصب, إستناداً الى تجربته الطازَجة بمنح «القدس» للمُحتلّين الصهاينة واكتشافه (إقرأ ثِقتَه المُستنِدة الى صفقات وتطمينات) بأن اللغو الكلامي العربي في مُعظمِه, إنما يروم التغطية على التواطؤ وليس رفض الخطوة, التي قال عنها الاميركيون – كما الصهاينة – أنها تحصيل حاصِل واسترجاع اليهود لِحقّهم التاريخي في «ممتلكات أجدادهم».
عودة الى يوم السادس عشر من كانون الاول عام 1991 عندما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 86/46 القاضي بـ«إلغاء» القرار (رقم 3379) الصادر عنها نفسها في 10/11/1975 ,والذي جاء في نصِّه: ان الصهيونية هي «شكلٌ من أشكال العنصرية والتمييز العنصري»، مُطالِباً بـِ«مُقاومة الايديولوجية الصهيونية, التي تُشكل خطراً على السِلم والأمن الدوليين». وهو قرار حظِي بتأييد 72 دولة وعارضته 35 وامتنعت عن التصويت 32 دولة.
اسرائيل اسحق شامير... وبعد حرب تحرير الكويت, التي أسّست لنظام دولي جديد فيما كان الاتحاد السوفياتي يُحتضَر, ونجاح جورج بوش الأب في تشكيل تحالف ثلاثيني, مهّد لاستيلاد مؤتمر سلام «جديد» لحلّ الصراع العربي الاسرائيلي (كان مُصطلحاً كهذا قيد التداوُل حينذاك)، رفَضَت (تل أبيب) المُشارَكة في مؤتمر «مدريد» العتيد إلاّ إذا تم إلغاء القرار (3379) وكان لها ما أرادَت, وغدَت الصهيونية «حركة تَحرُّر وطني لليهود", وبدأ مسلسل الإنحدار العربي حلقاته في شكل متسارع, ولم يعد ثمة ما يمكن عمله لِلجم اندفاعاته على مختلف الجبهات السياسية والدبلوماسية وخصوصاً الهرولة العربية وتحديداً الفلسطينية, في الالتحاق بـ«مسيرة السلام» التي تبدّت بشائرها في أوسلو, وبعدها في اتفاقات تطبيع و«سلام» مَجّانِية, بعضها مُعلَن وغالبيتها قيد الكتمان, الآخذة جدرانه بالتصدّع والإنكشاف.
هنا والآن.. تَكمُن المعضلة الكبرى بعد أن لم تعد الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية, ويجري التعاطي معها كحركة سياسية ذات أبعاد تقدُّمية (نعم بالمعنى الإجرائي للكلمة) وتنصاع دول تدّعي العلمانية ترفَع شعارات الحرية والإخاء والمساواة مثل فرنسا, لاعتبار «أي انتقاد لهذه الحركة الفاشِية العُنصرية, التي أقامَت وتدير نظام احتلال كولينالي أحلالِيّ عنصري في فلسطين, مثابة...مُعاداة للسامية», ويجري العمل لإقرار قانون كهذا يُعاقَب فيه من ينتقِد الصهيونية, تماماً كما جرى تجريم أي انتقاد لإسرائيل المُحتلّة للأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية, لان ذلك الإنتقاد, يُعتبَر شكلاً من معاداة السامية, لان اسرائيل هي بلد اليهود (...).