قلّة من «القادة» هي التي تختار نهاياتها. الحكيم مِنهم يتَرجّل طواعِية، أمّا أُولئك الذين بلغت بهم النرجسية وجنون العَظمة ذروتها, وظنّوا - وكل ظنونِهم إثم - أنهم مبعوثو العناية الإلهية وانهم «كَتبَة» تاريخ وصُنّاع أمجاد، فإنهم يخرجون من المشهد في سرعة لافتة, وخروجهم دائماً ما يكون مَصحوباً باللعناتِ وهتافات الإحتقار.
عربِيّاً يمكن رصد حالات عديدة, بعضها كان مأساوياً وجارحاً، كذلك عالمياً لم تكن الصورة وَرّدِية وبخاصة في الدول المُصنفة كــ َ«عالم ثالث» المُبتلى معظمها بالإنقلابات ومؤامرات الأقربين والبِطانة اللصيقة. ومنهم خصوصاً حِفنة الجنرالات الذين لفّق لهم من جاء بهم الى السلطة, على ظهر دبابة ام بفضل السموم التي وضعوها في وجبات ومشروبات قادتِهِم, ناهيك عن تلك العناية الطبية الحثيثة والمُزيّفة التي تُنهي «حَيوات» الذين انتهت ادوارهم وحان وقت التخلّص منهم, ولم تعُد ثمة موانِع سياسية أو أخلاقية, للرمي بهم و«مرحلَتِهم» في مزبَلة التاريخ.
مناسبة الحديث المحمول على شماتة ببعض من قادة المنطقة العربية والإقليم المُفخَّخ الذي نعيش، هو الخبر الذي طيّرته وكالات الأنباء عن استقالة «رفيق» سابِق، أمضى في السلطة ثلاثة عقود, مُتنقِّلاً من الدائرة العقائِدية التي تلبّسها أو أُلبِست له, في غفلة من ترنُّحٍ سوفياتي كان مثابة زلزال جيوسياسي, تأثّرت به المعمورة كلها ونتجت عنه موازين قوى جديدة, ما تزال استحقاقاتها مُريعة وبخاصة لجهة التغوّل الأميركي مُنفلِت العِقال والضوابِط, الذي أبدته الإدارات الأميركية المُتعاقِبة, وانتهى – حتى الآن – عند تاجِر عقارات, لا يُقيم وزناً للقانون ولا يَعبأ بمصير البشرية وحق الشعوب في تقرير مصائرها، وخصوصاً اختيار النظم السياسية والإجتماعية والإقتصادية, التي تخدِم مصالح الأغلبية الساحقة من مواطنيها.
الرفيق سلطان نزار باييف، نقل بندقية الشيوعية التي حَملَها بصفته السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي الكازاخستاني, الى كتف آخر يروم «الإنسجام» حدود التماهي مع مرحلة ما بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي وانفراط عقد جمهورياته الأربع عشرة؟, التي كانت - ربما باستثناء كازاخستان الغنية بالنفط والغاز واليورانيوم - عِبئاً كبيراً على جمهورية روسيا الإتحادية (الاشتراكية السوفياتية آنذاك).
خَلَعَ سلطان نزار باييف على نفسه بعد عشرين عاماً, على وجوده في السلطة كحاكم مُطلق الصلاحيات وبعد ان تم «تَفويزه» رئيساً للجمهورية الوليدة بنسبة 7ر98% (على الطريقة العربِية وبلا رتوش)..لقب «زعيم الأُمّة", وتم تمرير قانون في هذا الشأن يمنحه تلك الصفة. لماذا؟ فقط لأنه «كان» أول رئيس لكازاخستان بعد الإستقلال عن موسكو وبالتالي كان المنافِقون من بطانَته «وزبائِن» نظامه, قد مرّروا قبل ذلك قانوناً آخر ينص على منح نزار باييف «حقاً استثنائياً» في الترشّح لرئاسة البلاد لفترة غير محدودة. ومع ذلك ورغم الإنجازات «الحقيقية» (وليس الإعلامية الكاذبة والمزيفة) التي حقّقها نزار باييف خلال حقبته الطويلة في الحكم, على أكثر من صعيد وبخاصة اقتصادية وإنمائية وِفق قواعد «اقتصاد السوق» التي اعتمدها كل حكام الجمهوريات السوفياتية السابقة بلا استثناء بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، إلاّ ان نزارباييف يبدو قد وصل الى قناعة بان الوقت قد حان للترجّل, وان ما كان يظنه أبدياً وغير زائل لم يعد كذلك, بعد أن أوشك على طيّ ثمانية عقود من عمره (مواليد العام 1940).
استقالة نزار باييف، لم تكن لتجذب اهتمام أحد – رغم رمزيتها في جمهوريات آسيا الوسطى"مُسلِمة الديانة» – لو أنها لم تتزامن مع الإحتجاجات الشعبية الغاضِبة التي تعصف بأكثر من ساحة عربية, تطالب باستقالة زعماء «مَلّتْهُم» شعوبهم, وتريد ان تأتي بغيرهم عبر صناديق الإقتراع والانتخابات الشفافة, وليس من خلال الإنقلابات وترتيبات أجهزة الاستخبارات الغربية. لكن الشيء المُؤكّد في تداعيات استقالة نزار باييف أن الكازاخيين في غالبيتهم لن يخسروا كثيراً برحيله. بل أن الحياة تتواصل حتى لو غاب الذين يظنون أنفسهم بأنهم ضرورة تاريخية أو قادة الضرورة وغيرها من المُصطلحات المغسولة, التي تعوّدتها الجماهير العربية المُنهَكَة والمُفقّرَة والمَقموعَة.
kharroub@jpf.com.jo
«استقالَ» نزار باييف.. لن «يخْسرَ» الكازاخِيّون كثيراً؟
11:30 20-3-2019
آخر تعديل :
الأربعاء