أثارت التفجيرات المؤسفة، التي وقعت في البلقاء، منتصف شهر شباط الجاري، وما سبقها من أحداث أمنية مشابهة، في الفحيص والسلط والكرك وغيرها، جملة من المشاعرالمتداخلة، لدى الشارع الأردني، جمعت بين الحزن والغضب والفضول والعتب، وفي كل الحالات، ليس هناك مبرر للقلق أو الإرتباك، لإن انشغال الأردنيين، بهذه الأحداث، أمر طبيعي، يمكن رؤيته من باب الغيرة على الوطن والتأثر على أرواح الشهداء، وسلامة الجرحى، من المواطنين ومرتبات الأجهزة المختصة، وهي ظاهرة صحية في هذه الحدود، تستحق التقدير، أي كانت الطريقة التي عبروا بها عن مشاعرهم، بتضامنهم مع أهالي الشهداء والجرحى من جهة، أو غضبهم على الأرهابيين ومن يقف خلفهم من جهة أخرى، أما الفضول فهو دليل على الوعي واستهجان وقوع مثل هذه الأحداث على أرض الأردن، الطيب المضياف، والعتب ربما على شح المعلومات التي تصلهم عن تفاصيل الأحداث وخلفياتها، وهو على كل حال، دليل على الإحساس بالمسؤولية، والرغبة بالمشاركة بهموم الوطن، وهنا يصبح من واجب منصات الإعلام والتواصل والثقافة العامة والمتخصصة، أن تطمئنهم وتقرب لهم الصورة بقدر الإمكان، أقول بقدر الإمكان لأن في كل واحد من هذه الأحداث تفاصيل فنية دقيقة، ليس من المصلحة نشرها، حتى لا يستفيد منها العدو، ويستخدمها للإضرار بالوطن والمواطنين أنفسهم.
من باب المسؤولية «المهنية» أكتفي بهذه الإشارات العامة، وأتجنب التنقيب في أذهان الناس أو على ألسنتهم، عن تساؤلات أخرى، حتى لا نتفاجأ بتلميحات عن تقصير، أو خلل في الأداء المهني للأجهزة المختصة، وهو أمر لا نتمناه، ولكن يستحق التوقف عنده للأهمية، فليس من المستحب بل ليس من الجائز تداول أي معلومات قد يستفيد منها العدو ولو من باب التحليل او الاجتهاد كما لا يجوز تداول أي أفكار أو شائعات قد تطال، ولو من غير قصد، سمعة الوطن وهيبة الدولة، أو كفاءة أجهزتها، ولا من معنويات رجالها ومصداقيتهم، فلمثل هذه الأمور قواعدها واُطرها الخاصة بها، وإن الخوض بها يشبه العبث في الشبكة العصبية المركزية للإنسان، لا يحتمل الاجتهاد ولا التجريب ولا الخطأ، وأن حصل، فسيكون أشبه بحقل ألغام «مجتمعية»، لا تقل خطورة عن تفجيرات الإرهابيين، وليس في هذا القول مبالغة أو تهويل، لأن الأحدات في منطقتنا تؤكد منذ عقود، أن هناك فئات ضالة وأخرى مُضَلِّلَة، تعمل لحسابها الخاص، او لحساب مشغليها من قوى الشر العالمية، وهي تستهدفنا، ضمن مناطق أخرى، في أمننا واستقرارنا، ليس بالقنابل والمتفجرات فقط، بل بأصطياد المعلومات وبث الشائعات، واسغلال الثغرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، التي قد تنتج عن النقص في الوعي، يجدر أن نعوضه بالثقافة والمعرفة، وقد ينتج عن تراجع في الجودة، التي تتحقق بالمساءلة والمسؤولية وتطبيق المعايير، أما القصور في عملية التواصل، فيمكن تداركها بإزالة الحواجز وبطرح الأسئلة المناسبة واعطاء المعلومات والأجوبة المناسبة، وأحياناً، ينتج الخلل عن تشوهات في العلاقة بين المواطن والدولة، وهي بيت الداء ومشكلة المشاكل، وتحتاج لحديث خاص.
وأخيراً، إذا قام كل منا بواجباته على ما يرام، يمكن للجميع أن يطمئن لحاضره ومستقبله، لأن كل ما يهم سلامة الوطن والمواطن، هي تحت نظر قائد البلاد مباشرة، وفي قمة أولوياته، وقد عهد بها لآلاف من النشامى، من أبنائكم وإخوانكم، يواصلون الليل بالنهار، بكل كفاءة وإخلاص، حتى تنعموا بالأمن والأمان، والحياة المنتظمة المستقرة، نعمة من الله تستحق الشكر، ربما حرمت منها، بكل أسف شعوب تمتاز علينا بالعدد والعدة والإمكانيات، ولكننا تجنبنا الأسوأ، بفضل أصالة الأردنيين وصدق انتمائهم وحكمة قيادتهم، هذه ثروة وطنية حقيقية ومكسب يحق لنا أن نفاخر به، وواجب علينا أن نحافظ عليه.