حشرت الحكومة نفسها في زمن ضيق وتوقيت صعب عندما جاءت بمشروع قانون العفو العام الى مجلس النواب بعد عدة أشهر من عريضة نيابية وقعها 72 نائبا، بتوقيت يتزامن مع مشروع قانون الموازنة.
وأخطأت الحكومة عندما فتحت المجال أمام الرأي العام للنقاش أولا في وجود العفو من عدمه وثانيا في محتواه، وهو أمر حسمه جلالة الملك عبد الله الثاني بتوجيهه للحكومة بإصدار مشروع قانون العفو العام للتخفيف على الناس وإعطاء الفرصة للمخطئين بتصويب أوضاعهم.
المعروف إن 23 عفوا عاما صدر في تاريخ المملكة منها اثنان في عهد الملك عبد الله الثاني (1999-2011). وكان من المتعارف عليه في السابق أن يصدر قانون العفو بقانون مؤقت وبشكل مفاجئ حتى لا يفتح المجال للنقاش، وبعدها يقر في مجلس النواب كمشروع قانون مؤقت. لكن هذه الحالة لم تعد متاحة بعد التعديلات الدستورية التي حدّت من فرص إصدار القوانين المؤقتة.
اليوم محتوى مشروع قانون العفو بات معروفاً، وهناك شعور لدى الناس بأن ما صدر عن الحكومة أقل من توجيهات جلالة الملك بالتخفيف على الناس، لأن الأصل أن يكون العفو شاملاً ومكتمل الأركان وأن يركز على ما للحق العام على الناس من غرامات مالية أو جزائية.
نشر بنود مشروع قانون العفو زاد المطالبات الشعبية، وخاصة بعد أن تبين نية الحكومة بتقنين الجرائم والمخالفات التي يشملها العفو، وهو ما فتح أيضاً المجال أمام النواب للمطالبة بتوسيعه تحت ضغط شعبي، وهناك شعور عام بأن مجلس النواب سيضع تعديلات عميقة وجوهرية على مشروع القانون.
لا يختلف اثنان على أن العفو هو فرصة للإصلاح وتخفيف الأعباء على الناس وتنمية روح الانتماء لديهم، لكنه في ذات الوقت يجب أن يحافظ على حقوق الآخرين ولا يضر بالأمن الوطني أو المجتمعي، رغم أن مفهوم قانون العفو العام يخالف مبدأ سيادة القانون.
أهم ما يسقطه قانون العفو هو الغرامات والمخالفات المالية التي تحققت للخزينة على المواطن، لكن في هذه النقطة بالذات بدأت الحكومة تفكر بعقلية التاجر، بمعنى إنها تعفي من غرامة ولا تعفي من أخرى، ومثال ذلك مخالفات السير غير الخطرة، وهنا نتحدث عن مخالفات لا تزيد عن 20 دينارا، لكن في الحقيقة إن مخالفة السير هي مخالفة ولم يسبق لقوانين العفو العام السابقة أن ميزت بينها.
بكل صراحة مشروع قانون العفو هو مطلب شعبي قبل أن يترجم إلى عريضة نيابية، واليوم المواطن والحراك في الشارع لا يقبلان بقانون عفو عام أدنى مستوى أو فيه استثناءات كثيرة تفوق العفو السابق عام 2011، الذي سيصبح مقياساً للحد الأدنى للعفو.
لذلك المطلوب من مجلس النواب أن يوسع ضمن صلاحياته ما ضيقته الحكومة على الناس دون إضرار بحقوق الآخرين، ليعطي العفو الجديد فرصة حقيقية للمخطئين لتصويب أوضاعهم وخاصة أن الأحوال المعيشية لا تسر أحدا.
وسيكون مشروع قانون العفو مثار نقاش كبير تحت قبة البرلمان لأنها فرصة جديدة للنواب والأعيان لينحازوا إلى مصالح الغالبية الشعبية.
فوائد العفو العام لا تقتصر على المعنيين من الناس بل تمتد إلى الحكومة كذلك، فهو يرفد الخزينة بسيولة نقدية لأنه يشجع المواطنين على دفع ما عليهم من مستحقات مالية ضمن المدة الممنوحة بعد التخلص من الغرامات، وكذلك ستخف الأعباء المالية على الخزينة نتيجة شموله لآلاف الموقوفين والمسجونين.