عناوين كبيرة ومضامين كثيرة ظهرت في خطة النهضة الوطنية التي عرضها رئيس الوزراء د. عمر الرزاز على شاشة التلفزيون بطريقة تصوير ومونتاج خارج إطار التقليد المعروف برصانته بظهور الرئيس أمام الإعلام.
الجديد والجيد في هذه الخطة ليس مضامينها بل مدة تنفيذها القابلة للقياس وإلزام الحكومة بوقت زمني محدد بسنتين 2019 و2020، وبذلك نخرج من عملية التسويف والمماطلة والرمي على ظهور الآخرين من خلال القول بان الحكومة قد لا تستمر بالوجود مدة تنفيذ الخطة وستهرب قبل ظهور النتائج.
وقصر مدة تنفيذ الخطة انجاز بحد ذاته، اي ان الحكومة التي أطلقت أولوياتها للنهضة الوطنية ستشرف على تنفيذها وتثاب او تحاسب على نتائجها، وهذا يعني بوضوح ان صاحب القرار سيمهل الحكومة مدة سنتين في السلطة ليرى ونرى عملها ويحس به المواطن.
هذا جيد، لكن لماذا لم ينتظر الرئيس مدة بسيطة ويقدم هذه الخطة ضمن مشروع قانون الموازنة لعام 2019 المنتظر إقراره وإرساله الى مجلس النواب خلال فترة وجيزة. هل رصدت لتنفيذ هذه الخطة أموال في مشروع الموازنة؟ فالمشاريع التي لا أموال لها لن ترى النور.
مشكلتنا ليس في وضع الخطط، بل في تنفيذها والنتائج المنتظرة منها، وتوفر الأموال هي مشكلة قائمة منذ زمن، لكن الحل واضح بالاتجاه الى نظام بناء المشاريع على أساس البناء التأجيري BTO، هذا النظام الذي يضمن تنفيذ مشاريع كبيرة لها اثر في حياة الناس مثل مشكلة النقل العام وتنفيذ مشروع سكة الحديد، او بناء المستشفيات والمدارس وغيرها.
لا خلاف على ان الحكومة أعدت الخطة على عجل تحت ضغط الظروف المعيشية للأردنيين الذين سئموا الصراخ والمطالبات. هل الحاجة الى تمرير مشروع قانون ضريبة الدخل والموازنة العامة الجديدة فرض هذه العجلة؟ لكن السؤال الأهم اليوم، هل تجاوزنا الظروف الصعبة؟ هل القادم أفضل؟
الخطة والحكم عليها مرتبط بنتائجها، التي لا اعتقد ان تنفيذها صعب. فالحديث عن توفير 30 ألف فرصة عمل خلال سنتين في بلد يوفر وظائف لنصف مليون عامل وافد ليس صعبا. بل ان الترتيبات والإجراءات البسيطة بإغلاق بعض المهن واقتصار العمل بها على الأردنيين فقط ستؤدي الى توفير فرص عمل جديدة أكثر من العدد المأمول في الخطة.
أما طموح زيادة الصادرات الوطنية بنسبة 5% فهي أيضا رقم متواضع يمكن كسره بسهولة ومضاعفته مرات عديد لو ان الحكومة باشرت بإجراءات عملية في تطوير العلاقات مع الأشقاء العراقيين والسوريين، وقد بدأ فعلا وزير الخارجية رحلة موفقة الى العراق.
الحديث عن السياحة العلاجية بدون حل قوائم الدول المقيدة كلام لن يجدي نفعا، وشمول 80 بالمئة من الأردنيين في التأمين الصحي أيضا شعار غير مقنع لان الأردنيين فقدوا ثقتهم في القطاع الصحي الحكومي والأجدى هو تعزيز هذاالقطاع لتحسين خدماته لا بإغراقه بمنتفعين جدد.
كل هذه الخطط لا قيمة لها وستذهب إدراج الرياح اذا لم تستطع الدولة استعادة الناس من الشوارع، او بصريح العبارة تحسين ظروفهم المعيشية وإعادة بناء جسور الثقة معهم، ووقف استفزازهم بالضرائب الجديدة. فلا تنمية مع الانكماش الاقتصادي والأولويات تقتضي اليوم تخفيض ضريبة المبيعات لزيادة الإيرادات، وإلغاء بند فرق المحروقات في فاتورة الكهرباء لأنها جباية دون مبرر.
لا نملك الا التفاؤل وانتظار نتائج خطة النهضة الوطنية لعلها تضع مدماكا جديدا في البناء الحقيقي.