مفهوم «الجودة الوطنية» والسلم الأهلي

تاريخ النشر : الأربعاء 11:00 21-11-2018
غالب سعد

يجري الحديث في العادة، عن مفهوم الجودة، بشأن منتج أو خدمة معينة، أو عن مفهوم الجودة الشاملة، حين يتعلق الأمر بمجمل مراحل أو مكونات العملية الانتاجية، وفي الحالتين، يرتبط مفهوم الجودة بالسلع والخدمات والتسويق والمنافسة والأرباح والخسائر، ولكن، هل يمكن تطبيق هذا المفهوم على الأوطان والشعوب، تحت مسمى،»الجودة الوطنية»؟ وما هو أثر هذا المفهوم المستحدث، على السلم الأهلي، ومصائر الدول، وهل يمكن أن تصاب المجتمعات بمرض نقص الجودة، على غرار نقص المناعة عند البشر، أم يمكن أن يكون ارتفاع مستوى الجودة لديها، هو سر قوتها وتفوقها وبقائها؟، ربما تكون هذه الأسئلة غارقة في القدم، مستوحاة من أفكار ابن خلدون في علم الاجتماع السياسي، قبل أكثر من ستة قرون، ولكن الإجابة عليها، تتردد اليوم في حديث الناس، ويمكن الاستماع اليها، بمجرد الالتفات للمشهد الخاص والعام من حولنا.

ليس من الصعب تعريف الجودة في العملية الإنتاجية، بأنها مقياس لحالة المنتج وخلوه من العيوب ومطابقته لمعايير معتمدة مسبقاً وقابلة للتحقق والقياس، وتضيف بعض التعريفات، أنها قدرة المنتج على المنافسة والصمود في السوق، من خلال اشباع حاجات المستهلك أو المستفيد، وبالقياس على ذلك، يمكن تعريف «الجودة الوطنية» بأنها مقياس قدرة الشعوب، أفراداً ومؤسسات، على تعبئة مواردها المادية وغير المادية، بما يضمن الوفاء بالتزاماتها وتحقيق أهدافها في الاستقرار والتقدم والبقاء، وبشكل آخر، قدرتها على بلوغ أفضل مستويات الأداء في سلوكها وإدارتها للموارد وحل مشكلاتها وبلوغها لأهدافها، طبقاً للمعايير المعتمدة في تنظيم الحياة العامة والخاصة بالتوافق مع المصلحة الوطنية.

ليس هناك دولة في الوقت الحاضر، لا تمتلك مرجعيات ومعايير معتمدة، لتنظيم الحياة العامة والخاصة في مجتمعها، أولاً ترفع شعار المصلحة العامة في كل أدائها، وتتمثل تلك المعايير بالدساتير والقوانين والتعليمات الإدارية، وبما تلتزم به من معاهدات ومواثيق وقرارات دولية، وتحتفظ الشعوب عادةً إلى جانب هذه المنظومة القانونية الواسعة، بمنظومة من القيم الدينية والاجتماعية والأخلاقية، تمثل خلاصة تاريخها ويتم توارثها عبر الأجيال، إلا أنه ومع وجود هذه الترسانة من القوانين والقواعد التنظيمية والمرجعيات، ومع وجود طوابير من الموظفين وحملة الألقاب والمؤهلات، لم تتمكن إلا قلة من دول العالم، من بلوغ الجودة الوطنية، حسب المؤشرات والمقاييس الوطنية والدولية المعتمدة، بينما الأغلبية من الدول، ومنها الدول العربية، ما زالت تحتل مواقع متأخرة في قوائم الترتيب العالمي، ومنها من يتراجع مقارنةً بوضعه السابق أو أمثاله من الدول، ولا يغير في هذا الاستنتاج، بعض مظاهر الترف والتقدم، أو تجارب الاصلاح، الفردية والعابرة، هنا وهناك، فقد بقيت كل محاولات التغيير والاصلاح منقوصة ومشوهة، يكبلها القصور المادي أحياناً، ويجهز عليها القصور السياسي والثقافي والإداري في معظم الأحيان.

قد يتعذر استعراض كل مؤشرات الخلل والقصور في منظومة الجودة الوطنية، على المستوى العربي، وليس المقصود هنا دولة بعينها، بل ظاهرة عامة، عابرة للحدود والأزمان والكيانات، مع الفارق في التفاصيل والدرجات، فحين أرادت الدول، على افتراض حسن النية، تنظيم الحياة السياسية، وضعت الدساتير الجميلة، كمرجعية لإدارة الشأن العام، فلم يلتفت إليها إلا قلة من المهتمين، وربما لم يطلع عليها سوى حفنة من فقهاء القانون، وتبقى حبيسة الأدراج، في الغالب حتى يحتاجها زعيم جديد، لموائمة النصوص مع أوضاعه، أو يحتاجها زعيم قديم لتمديد ولايته، بعد أن استنفذ كل الفرص الدستورية، وتنظم الدول انتخابات من كل نوع، ليس المهم أن تعقد في موعدها أو في غير موعدها أو لا تعقد أبداً، المهم إذا عقدت أن تراعي كل الاعتبارات السياسية والحزبية والمناطقية والعشائرية، إلا اعتبار الكفاءة العلمية والوطنية، وتنتج عنها مجالس نيابية ومحلية ونقابية، يستمتع المواطنون في أجوائها الاحتفالية، وتتواصل المتعة بمشاهدة المواقف الاستعراضية، والكباش الحقيقي بالكلمات أو باللكمات، ومعظم الدول، لديها أحزاب ومنظمات مجتمع مدني، منها ما هو جاهز ومنها تفصيل على المقاس، وقد ترى بعض الدول أن لا داعي لهذه البدعة من أساسها، وفي كل الأحوال، فبعد أن تقتنص هذه الأحزاب والتنظيمات شرعيتها، أيا كان السبب أو الثمن، ربما تنقض على السلطة إلى الأبد، وتشكل من حولها مجموعة من التنظيمات الوصيفة والرديفة، وفي حالات أخرى، تستكفي بالترخيص، وتتحول إلى اطار للوجاهة والتكسب يضم الأهل والأصدقاء، بعيداً عن السياسة وهمومها، أما عن وسائل الإعلام فحدث ولا حرج، فقد انتشرت في ظل ثورة الاتصالات كالفطر، وتعددت أنواعها وأهدافها ومصادر تمويلها، تهتم بكل شيء وآخر همها المهنية والموضوعية، بعضها تخصص في نقد السلطة، دون أن يرى فيها ما يستحق الثناء، وبعضها تخصص في تمجيد السلطان دون أن يرى في ممارساته ما يستحق النقد، أما التخصص المفضل، فهو تصديع رأس المواطن وحشوه بأفكار أو منتجات، لا يعلم مدى صلاحيتها، أو من المستفيد منها إلا الله، في كل الدول، هناك باقة من القوانين والقواعد المخصصة لتنظيم حياة الناس وتسيير مصالحهم، فمنها الرخص والمنح والتصاريح والوكالات والاعفاءات والمهمات والاستثناءات، كلها يمكن أن تصلح وسائل للترضية، وتبادل المصالح، وربما أوعية استثمارية وقنوات للنفوذ والدعم السياسي والعشائري، وإذا ذهبنا إلى ما هو أبسط من ذلك، على سبيل المثال، يتم تنظيم الشوارع والأرصفة لاستخدام المارة والسيارات، فجرى احتلالها في وضح النهار من قبل أصحاب المحلات والباعة المتجولين، والفتوات، ينظم القانون عمل التكسيات الصفراء، وفي كثير من الأحيان يتوقف العداد عن العمل، وقد يستقوي السائق على الراكب ويبتزه بدفع ضعف الأجرة، بحجة الزحمة أحياناً، أو قلة الحركة في الشارع أحياناً أخرى، وهناك نظام لعمل الأفران، يفرض التزامها بالميزان والتسعيرة، ولكن بعضها لا يفوت فرصة ليبيع الخبز بالقطعة خاصة للأطفال والعجائز، وأجزم أن كثيراً من المحلات والمهن، ابتدعت طرقاً للتحايل على القانون والتهرب من الالتزام بالأنظمة، مستغلة تخصصها، أو انحسار الرقابة بعد الظهر وأيام العطل وفي المناطق البعيدة عن الأنظار، وغير ذلك الكثير من الطرق.

اذا كانت الدولة قد شرعت القوانين ووضعت الأنظمة لكل الأنشطة العامة والخاصة، وخصصت لمتابعتها الأجهزة التنفيذية والرقابية، ولم يحقق كل ذلك المستوى المطلوب من الجودة في الحالة العامة للوطن أو الحياة الخاصة للمواطن، فأين تتجه الأمور، وأين يكمن الخلل، وما هو الحل إذن؟ فالمواطن الذي وضعت من أجله القوانين، لم يعد قادراً على الاستفادة منها، بشكل طبيعي، فزادت عليه الضغوط، حتى بات بين خيارين، احلاهما مر، إما أن يقبل دور الضحية، ويعيش في حالة من الإحباط والسلبية وتدني الانتاجية كماً ونوعاً، أو أن يحل مشاكله بالانضمام إلى احدى الفئات التي تشترك معه بنفس الهموم والاهتمامات ويأخذ طريقه معها للفساد والافساد، ليشكلوا معاً حالة من التضامن السلبي، قوة صد في وجه انفاذ القانون وتحقيق العدالة، ولا يخفى على أحد ما تشكله هذه الحالة المرضية المعقدة، من افساد لجودة الحياة الوطنية، وتآكل لهيبة الدولة ومناعة المجتمع، وتهديد للسلم الاجتماعي واغراء للأطماع الخارجية.

لا أظن أن المشكلة تكمن في نقص القوانين والأنظمة بقدر ما تكمن في آليات ومعايير تنفيذها، ومدى حضور فكرة الدولة والقانون والمصلحة العامة في ثقافة الأشخاص، حكاماً ومحكومين، وربما في الاستعداد لقبول وتحمل تكاليف العبور النهائي إلى الدولة الحديثة الناجزة، أما الحل، فلكل دولة ظروفها الخاصة، أما فيما يتعلق بالأردن، الذي حرص دائماً أن لا ينزلق إلى هذا المنحدر، وحاول رغم شح الامكانيات، أن يتقدم في بناء الدولة الحديثة، فهو مدرك للتحديات الداخلية والخارجية، وفي مقدمتها مخاطر الفساد، وتعطيل القانون والترهل وهدر الامكانيات والفرص، ولن يستسلم لهذه الآفات وقوى الشد العكسي وأصحاب المصالح الذاتية، وسيسعى بدون كلل، لتوفير الحياة الكريمة لمواطنيه، حياة مطابقة لأعلى مواصفات الجودة، وفق استراتيجية شاملة للجودة الوطنية، فهذا طموح مشترك بين الشعب وقيادته، وهو في الوقت نفسه مسؤولية مشتركة لا تنهض بها إلا الدولة، بعزمها وحزمها، ومن خلفها كل القوى الحية، صاحبة المصلحة بأن يبقى الأردن أولاً، عزيزاً قوياً في المقدمة، قولاً وفعلاً.

سفير متقاعد

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }