قال تعالى (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) وقال تعالى (وما كان لنفس ان تموت الا بإذن الله كتاباً مؤجلا) وقال تعالى (وما اصاب من مصيبة فبإذن الله).
وبشر الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يفقد فلذة كبده ويسترجع ويحمد ان يكون له بيت في الجنة، سقت هذه المقدمة لأقول ان ليس هناك من عزاء لمن فقد ابنه أو ابنته ولو وضعت أموال الدنيا بين يديه -الا الصبر- هو السلاح الذي لابد منه ولا مفر عنه بشرط ان يكون برضا، حتى تستمر الحياة.
أخذت فاجعة البحر الميت حيّزاً كبيراً من اهتمام الأردنيين والأشقاء لانها اصابت أطفالا في عمر الزهور، وكل أب أو أم شعر بأنه معني بهذا الحادث فالأطفال وبراءتهم وهم يتدحرجون مع الصخور تدمي القلوب وتدمع العيون، كلنا لنا أبناء أو احفاد، نستعرض ليلتهم وهم يحضرون لرحلتهم، والأم والأب يطمئنّان عليهم على زادهم ومؤونتهم، كنا نتصل اكثر من مرة نطمئن عليهم أثناء الرحلة ولنا ان نتصور أن هاتفهم لم يعد يجيب، ليت دموعنا كانت قوارب تنجيهم لأرخينا لها العنان ولكن نفذ القضاء، البحر في اليوم التالي لم يكن لونه عادياً كان يميل الى الحمرة، أيها النهر، أيها البحر، كم أخذت منا ولم تتوقف، تقول العبارة المعتادة (ما اخطأتك المنايا ان اصابت من تحب ) هو درس لنا جميعاً ليتنا نستفيد.
ان كان لي بعض التعليقات للفائدة أقول إن إدارة أية أزمة تمر تعبر عن قدرة الأجهزة المختلفة على التعامل مع الحدث، فهل ما زلنا نتعامل مع الكوارث الطبيعية بأسلوب (الفزعة )، دونما تكامل أو تخطيط، هذا جزء مما كان، ان إدارة الأزمة تتطلب ان نمتلك اعلى درجات القوة والكفاءة في أقصى درجات الضعف، حتى نخرج بأقل الخسائر، في الجيش هناك أسلحة متنوعة الهندسة، الطيران، الدبابات، المدفعية، المشاة، وغيرها، عند أي حرب أو مواجهة لا يعمل كل جهاز بمفرده، كيف تقوم الطائرات، وتتقدم المشاة، وتنصب الهندسة الجسور، وتضرب المدفعية، والاستطلاع، بحيث تتكامل هذه الفرق وتؤدي أفضل الاداء، فهل كان هذا هو الموجود، ضمن خطة الإنذار المبكر، في الإنذار المبكر، هناك ما قبل الحدث، وأثناء الحدث، وبعد وقوعه، ومهمة الإنذار المبكر أن ينذر بوقوع الحدث قبل وقوعه ان أمكن ذلك، وكان ذلك ممكناً، فالارصاد تقول إن هناك أمطاراً رعدية تتقدم يوم الخميس في كل أنحاء المملكة وطبيعي ان يترتب على ذلك أشياء محتملة، لابد من خطة للتعامل معها، فإذا وقعت مشكلة ما هي الخطة للتعامل معها، هل كان ذلك، اعتقد انه لم يكن، وعلى هامش هذا الأمر ننبه أن منطقة البحر الميت، تحديداً معرضه لمثل هذه الحوادث من الجبال وعلى شواطئ البحر، نبه لها الجيولوجيون والى خطرها الذي يمكن ان يحدث في أي وقت، وهو خطر ما زال ماثلاً وسيبقى في هذه البقعة من الارض وقد كتبت فيها استناداً الى دراسات الجيولوجيين قبل اكثر من عام، كلنا مسؤولون بنسب متفاوتة، وكل على قدر مسؤوليته، اللوم وحده لا يكفي ولكن كيف نتدارك ذلك، حتى لا تتكرر المأساة، هناك البنية التحتية وهناك البنية الفوقية، وبقدر كفاءة البنية الفوقية، وهم المسؤولون تكون البنية التحتية اكثر كفاءة، معادلة بديهية في الإدارة.
نحن شعب يظهر معدنه اثناء الأزمات والمصائب، وكانت المصيبة في كل بيت، وكانت التضحيات الفردية، ظهر بعضها، ولم يسلط الضوء على الآخر، كان هناك هاشم الزيادات، الذي لم يكتف بزيادة واحدة، ولكنها زيادات، عندما عزيتهم كان ابنه ذي الثمان سنوات يقف بين المستقبلين، هناك زاهر بسمرته وشهامته، الذي انقذ البعض، هناك القيادة الممثلة بجلالة الملك الذي أعطى من وقته وجهده ما أعطاه، هناك الامراء الذين توزعوا على بيوت العزاء، هناك معلمات المدرسة اللواتي تساوين مع ابنائهن مع صخور الوادي ومياهه، سواء بسواء، هناك المسؤولية الأدبية والأخلاقية التي تقول لو تعثرت بغلة في أطراف العراق لسأل الله عنها عمر لما لم يمهد لها الطريق، إن حسن إدارة الموارد على قلتها تنتج لنا أفضل من كثر الموارد اذا لم نحسن ادارتها، نحن بحاجة الى مراجعة شاملة لإدارة الناس والموارد وان لا نبقى نسير في طريق اعادة التدوير والاستنساخ فيكفينا، وكفى بالموت واعظاً.