إن محور التقدم والرقي في أي مجتمع هو مدى تقبل أفراد هذا المجتمع للنقد والرأي الآخر، وبالتالي تفعيل آلية الحوار المبني على الحقائق والبراهين المنطقية. لقد خلق البشر مختلفين، وتلعب الثقافة والعلوم دوراً متميزاً في تهذيب النفوس وضبط التصرفات وتحكيم العقل. ومن هنا نقول إن الاختلاف رحمة وكل يتبع ما صح عنده وكل على هدى وكل يريد المصلحة العامة.
ويعني النقد بيان مساوئ ومحاسن أي أمر أو مسألة لا يتم الاجماع والتوافق حولها، ويجب أن يستند هذا البيان على حقائق قد تكون ظاهرة للعيان أو مخفية وواجب النقد أن يميط اللثام عنها لتبدو واضحة، وهنا ننحاز إلى الرأي القائل بقابلية المحاسن والمساوئ للقياس، وما نقيسه يمكن أن نعبر عنه بالأرقام وبالتالي يصبح النقد مفهوماً علمياً ويؤدي الغرض الذي نبغيه من النقد.
أما الرأي الأخر فهو صفة بشرية، تعتمد على المعلومات المتاحة والانسجام مع الأفكار التي تتوافق مع الامنيات والاهواء والمشاعر، والرأي الأخر يثرى بالحوار والنقاش الهادئ ويعتمد على تبادل الأفكار والمعلومات وتستخدم فيه أساليب المنطق والبرهان وتسلسل الحقائق، وفي اللحظة التي يتمترس فيها الطرفان حول احتكار الحقيقة يتحول الرأي الآخر إلى تعصب أعمى لا يرى فيه أي طرف إلاّ نفسه ويصبح النقاش عقيماً لا فائدة ترجى منه.
من صفات الحكماء تفتح العقل وسعة الصدر لتقبل الرأي والرأي الأخر، دون تعصب أو انحياز، وأستذكر مقولة الأمام الشافعي»رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».
ولا بد أن نفرق بين الاختلاف والخلاف، وللأسف الشديد فهناك التباس في المفاهيم، فالاختلاف سبيله الحوار والنقاش وتقبل الأخر كما هو دون تجريح أو شخصنة، وغياب الحوار يؤدي الى الجفاء ويهدم الود بين الناس ويؤجج الصراع.
إن الاختلاف ليس تخلفاً ولكن الخلاف بسبب الاختلاف هو قمة التخلف، ويتغذى الخلاف وأدواته العنيفة وغير الحضارية على الجهل والأمية والتعصب، والأمثلة لدينا عديدة، فعندما سئل قاتل فرج فودة عن الدافع في قتله أجاب بأنه كاتب كافر، وسأله القاضي هل قرأت ما كتب، فأجاب بالنفي ولكنه سمع أنه كافر. وهذه حادثة من الحوادث العديدة حيث يجتمع الجهل والتخلف لتصبح أسلحة تغذي التعصب والانغلاق حيث لا مكان للعقل والحكمة.
وأستذكر هنا مقولة الخليفة عمر بن الخطاب»لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها».
إن الاختلاف أمر مشروع ومطلوب وخاصة عندما تواجه الأمم والشعوب لحظات تاريخية في مسيرتها لتحديد وجهتها ومستقبلها في عالم تتصارع فيه الأفكار عابرة للحدود ومتخطية المعيقات الجغرافية. وفي مسيرة الشعوب فإن الاختلاف يعني التوقف لتقييم المسيرة ودراسة مدى الاقتراب من الهدف وتحقيق ما نصبو اليه.
إن التعصب هو مفسدة للاخلاق وإذا فسدت أخلاق الأمة فهي لا محالة تسير إلى الهاوية وتسود فيها ثقافة الانحطاط، وإذا تفشى مرض التعصب في قوم فهم لا محالة إلى الزوال.
وقد قيل إن السبب في تعدد الاراء أنه لا أحد يعرف الحقيقة، ولكن تعدد الآراء بعيداً عن التعصب تقربنا من الحقيقة، وأعتقد أن هناك متعة في البحث عن الحقيقة لأن في ذلك راحة للنفس والعقل.
ثقافة الاختلاف لا الخلاف
11:00 21-10-2018
آخر تعديل :
الأحد