أخطأت الحكومة في إرسال وزرائها الى المحافظات لإدارة حوار مع المواطنين حول مشروع قانون ضريبة الدخل، فقد اكتشفت انها ذهبت لتحاور أشخاص محتقنين أصلا على الحكومات الأردنية المتعاقبة وسياساتها وقراراتها التي أدت الى تراجع الأحوال المعيشية للناس، اكتشفت أنها تحاور أشخاصا ثقتهم مهزوزة في الدولة.
وبالنتيجة اكتشفت الحكومة أنها عاجزة عن إدارة حوار مع المواطن الأردني العادي في المحافظات وهذا انعكس على اللقاءات التي نادرا ما انتهت بسلام، بل إنها في اغلب المحافظات انتهت إما بانسحاب الفريق الوزاري نتيجة ارتفاع حدة النقاش واستعمال الشتائم أو قيام الجمهور بطرد الوزراء حتى قبل بدء النقاش.
إلى ماذا كانت تهدف الحكومة من الحوار مع الناس؟ فوزير المالية يقول إن 90% من الأردنيين لن يؤثر فيهم مشروع القانون الجديد، إذن ما الفائدة في ذهاب الفرق الحكومية للنقاش والحوار مع أشخاص تقول إنهم لن يتضرروا من مشروع قانون الضريبة الجديد. لماذا لم تحدد الحكومة الفئات المتضررة وتذهب للحوار معهم؟
من تحاور الحكومة؟ هل تحاور المواطن الغلبان الذي لا يكفيه راتبه حتى منتصف الشهر؟ هل تحاور رب أسرة لديه 4 أبناء عاطلين عن العمل؟ هل تحاور مريضا يبحث عن إعفاء طبي أو ثمن علبة دواء؟ هل تحاور مواطنا يشكو من سوء الخدمات؟
إذن كان على الحكومة أولا، تهدئة الشارع قبل إطلاق الحوار معه. وهي بالتالي أخطأت في العنوان، فكان واجبها الحوار مع الفئات التي تزيد رواتب العائلة منها عن 18 ألف دينار لا أن تذهب للمواطن من أصحاب الدخول المتدنية وفقراء الناس التي ترهقهم فاتورة الكهرباء أو فاتورة الماء. وكان عنوانها الصحيح الحوار مع كبار موظفي الدولة من أصحاب الرواتب العالية ورجال الأعمال وأصحاب الاستثمارات والشركات الكبرى وأصحاب المهن الحرة.
والأخطر أن الحكومة عرفت كيف يفكر الشارع وماذا يريد؟ وهي اتجاهات لا تلتقي والسياسات الحكومية إطلاقا. وفي نفس الوقت اكتشفت الدولة خطأها في غياب النخب المحلية وتآكلها في الشارع الأردني. فقد استهلكت الدولة نخبها بطريقة سريعة ولم تنتج نخبا جديدة مقبولة في الشارع، وقادرة على القيام بدور الوساطة.
والمهمة العاجلة للدولة اليوم هي استعادة الأردنيين من الشارع وإعادة نسج علاقاتها معهم على أسس جديدة تأخذ بالاعتبار أحوالهم المعيشية وتوفير الخدمات الرئيسية لهم ( نقل/صحة/ تعليم). واستعادة ثقة الأردنيين ليست عملية سهلة لأنها بحاجة الى بناء جسور جديدة تقوم على الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد وجلب الفاسدين.
هل سيمر مشروع قانون الضريبة في مجلس النواب، بعد كل هذا الرفض في الشارع؟
مهمة الحكومة لن تكون سهلة، لكن عليها أن لا تذهب الى مجلس النواب بقانون خلافي، بل عليها اختصار الكثير من الكلام، وقد أصبحت مواقف الناس واضحة، فالنقطة الأولى لها علاقة بمقدار الإعفاء للفرد والعائلة ولم يعد مقبولا ما طرحته الحكومة ب 18 ألف دينار للعائلة ولا بد من رفعه بطريقة مريحة وكذلك لا معنى لترك ضريبة البنوك كما هي 35% في ظل حالة الاحتكار القائم ونقاط أخرى ليس صعبا الاتفاق عليها.
المهم أن تترك الحكومة فكرة الجباية وتذهب الى مكافحة التهرب الضريبي وإصلاح الأدوات الضريبة.
والاهم من كل ذلك لا بد أن تلغي الحكومة الضريبة الجائرة على فاتورة الكهرباء الشهرية والمسماة فرق محروقات فقد تبين من الحوارات أن النقمة الشعبية على هذه الضريبة أكثر من النقمة على مشروع قانون ضريبة الدخل الجديد.