كنا نسمع بمشروع الملك فيصل بن الحسين أيام كانت دمشق عاصمته في الوحدة الكونفدرالية بين سوريا الكبرى والعراق والحجاز، ونسمع عن مذكرة كتبها في آذار عام 1933 – ليس بعيداً عن يوم وفاته – وأمر بتوزيع نسخ محدودة منها على أعمدة الحكم من الضباط الذين رافقوه من مكة الى حلب ايام الثورة، او الذين طلبهم بعد تتويجه في العراق من اهل المعرفة والعروبة كساطع الحصري، والكسباني، وآل حيدر. وفعلاً وجدت صفحات في نهاية كتاب مذكرات علي جودت احد رؤساء الوزارة العراقية تتضمن هذه المذكرة البالغة الروعة في رؤية ملك لشعبه بما فيه من تمزق داخلي، وجهل، وطائفية وعرقية.
يؤكد فيصل اولاً: أن البلاد العراقية ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية. ذلك هو الوحدة الفكرية والمليّة والدينية. فهي مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها. ويعترف فيصل أن مملكة العراق تحكمها حكومة عربية سنيّة مؤسسة على انقاض الحكم العثماني. وهذه الحكومة تحكم قسماً كردياً اكثريته جاهلة. وبينه اشخاص لهم مطامع شخصية واكثرية شيعية جاهلة (...) الا ان الاضطهادات التي كانت تلحقها من جراء الحكم التركي.. فتح خندقا عميقا بين الشعب العربي المنقسم الى هذين المذهبين.
ولعل فيصل لم يأت على قرون الصراع بين الشاه الفارسي، والسلطان العثماني.. وعلى ارض العراق فالحدود الحالية بين العراق وايران وشط العرب هي نتيجة اتفاق الشاه والسلطان عام 1913!!.
ويعترف فيصل – وقلبه ملآن أسى – انه لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد.. بل توجد كتلات بشرية خالية من اي فكرة وطنية، ومشبعة بتقاليد واباطيل دينية لا تجمع بينهم جامعة.. سماعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائما للانقضاض على اية حكومة!!. ونحن نريد ان نشكل من هذه الكتل شعبا نهذبه، وندربه، ونعلمه. وقد اخذ فيصل على عاتقه ان يقوم بذلك!!.
ولكن ما هي الاداة الكافلة لمعالجة المهمة؟ واليك بالاختصار:
- تزييد الجيش العراقي عددا وبشكله الحاضر بحيث يصبح قادرا على اخماد اي عمل مسلح ينشب في آن واحد في منطقتين متباعدتين.
- - عقب اتمام تشكيل الجيش على هذه الصورة تعلن الخدمة الوطنية، اي الخدمة الالزامية العسكرية.
- ويجد فيصل في المعسكر والجيش بشكل عام، المصهرالذي تذوب فيه كل الطائفيات والعصبيات والعنصريات، والمهم تعليم الجنود فالأمية كانت تعم القطر.
- وضع التقاليد والشعائر الدينية بميزان واحد واحترام الطوائف الأخرى.
- الاسراع في تسوية مشكلة الاراضي، ففيصل كان يدرك فظائع الاقطاع، ونفوذ الشيوخ السياسي والاجتماعي.
- توسيع المأذونية لمجالس الألوية والبلديات بقدر الامكان (اللامركزية الادارية).
- الأعمال النافعة (والكلمة كنا نستعملها هنا في الاردن) وحماية المنتوجات.
- المعارف.
- تفريق السلطة التشريعية والسلطة الاجرائية (التنفيذية).
- ... وهنا يدخل فيصل في التفصيلات، لكننا نلاحظ ان الاستعمار الجديد بدأ عام 2003 بحل الجيش العراقي والأمن، وترسيخ فصل الشمال.
- ويبدو ان بريمر كان على اطلاع بخطة فيصل بن الحسين لاقامة الدولة الحديثة في العراق.
- إن هذه الورقة المتواضعة التي وزعها الملك في آذار 1933 تبحث عمن يقرأها الآن في بغداد..
- وفي كل مكان في الوطن حيث تسود الفوضى، ويفرض التمزق بلاءه على الأمة.