كتب - رومان حداد

التعديلات الدستورية التي سيتم عرضها على مجلس النواب قد تبدو لوهلة أولى تعديلات توسع من صلاحيات جلالة الملك الدستورية، ولكنها في مضمونها وحقيقتها هي أمر بعيد عن ذلك، ولذا توجب قراءتها بهدوء وتروٍ لمعرفة ما تعنيه هذه التعديلات.
لكي يتم فهم هذه التعديلات الدستورية يجب العودة إلى الأوراق النقاشية الملكية الخمسة وقراءتها بتأنٍ، وإدراك الرؤية الملكية الحازمة بالتوجه نحو الأمام في الإصلاح السياسي وتعزيز النهج الديمقراطي في الأردن، والسير بخطى واثقة من غير قلق نحو تحفيز الحياة الحزبية والحكومات البرلمانية.
فجميع التعديلات المقترحة على مواد الدستور تساعد بإعادة التوازن بين السلطات الدستورية دون وجود سطوة لسلطة على أخرى، وهو ما يبرز بوضوح من خلال تعيين رئيس السلطة القضائية، حتى تبقى السلطة القضائية التي نفاخر بها بعيداً عن التجاذبات السياسية وبعيداً عن سطوة الحكومة بالتعيين أو قبول الاستقالة أو الإقالة، فلا يكون حاكماً على القاضي إلا ضميره، وهي حالة متقدمة من الفصل بين السلطات.
وكذلك الحال مع المحكمة الدستورية التي سيتم تعيين أعضائها ورئيسها من قبل جلالة الملك دون حاجة لتوقيع الوزير المختص ورئيس الوزراء لتكون الإرادة الملكية صحيحة ونافذة، فهذه المحكمة يجب ألا يكون سلطان عليها إلا ما يمليه عليها الدستور والضمير، فهي مساحة الفصل لمصلحة الدستور في القضايا الخلافية بين السلطات، وبالتالي لا يجوز أن تصدر قراراتها وهي خاضعة لمزاج سلطة محددة.
أما فيما يتعلق بمجالي الجيش والأمن فجلالة الملك يرغب بالنأي بهذه الأجهزة الوطنية عن أية صراعات سياسية أو اصطفافات شخصية، فالجيش والأجهزة الأمنية هي أجهزة وطنية فوق الصراعات السياسية والحزبية والرغبات الحكومية، وهو ما يحافظ على وطننا متماسكاً وما يبقي الدولة فاعلة وقادرة على الاستمرار.
وفيما يتعلق بالتعديل المقترح بالسماح لمزدوجي الجنسية بشغل المناصب الوزارية أو بعضويتهم في مجلسي النواب والأعيان فذلك يأتي تطبيقاً لمبدأ دستوري مقر في المادة السادسة في الدستور وهي أن الأردنيين أمام القانون سواء، وبالتالي لا يجوز استناداً لهذا المبدأ الدستوري أن يتم حرمان الأردني من تولي المناصب العامة أو من عضوية مجلسي النواب والأعيان بسبب حمله لجنسية دولة أخرى، فحمل جنسية دولة أخرى لا يجرد الأردني من جنسيته، ولا يطعن في وطنيته، ولا يجوز أن تحمل مواد الدستور تمييزاً ضد أي أردني بصورة تخالف المبادئ الدستورية التي استقر العرف الدستوري عليها.
وكذلك يأتي التعديل الخاص باستمرارية الحكومة في حال وفاة رئيسها، فهذا يعني أن الحكومات القادمة هي حكومات برامجية وليست حكومات مرتبطة بشخص الرئيس، فالحكومة متضامنة ومتكافلة ورؤيتها واضحة لجميع أعضائها من الوزراء، وبالتالي فالنهج الحكومي لا يتأثر بغياب الرئيس.
أما ما يتعلق بانتخاب رئيس مجلس النواب لمدة عامين فهو يعزز نهج بناء الحالة المؤسسية داخل مجلس النواب، وعدم إهدار وقت خلال بداية كل دورة عادية من عمر المجلس بالكولسات ونسج التحالفات المرحلية، وعلى من يترشح رئيساً لمجلس النواب أن يدرك أنه يجب أن يتقدم ببرنامج واضح ينتخب على أساسه رئيساً لمجلس النواب.
وأما ربط تشكيل مجلس الأعيان وتعيين رئيسه بيد جلالة الملك وحده تأكيد آخر على رؤية جلالته لضرورة تبني نهج الحكومات البرلمانية، فتعيين مجلس الأعيان يأتي في مرحلة تكون فيه الحكومة انتقالية، فهي التي أجرت الانتخابات، وبالتالي فالمشاورات النيابية ستأخذ مداها، وبالتالي لا يجوز لرئيس وزراء مؤقت أن يتدخل بتعيين مجلس الأعيان، وكذلك فإن المشاورات النيابية التي ستفرز رئيساً للوزراء وحكومة متوافق عليها من قبل الأغلبية النيابية تعني أن الحكومة ستتمتع بأغلبية داخل مجلس النواب، وقد تضعف الرقابة على أداء الحكومة أو قد يتم تمرير قوانين بتوافق بين الحكومة والأغلبية النيابية، وهنا يبرز دور مجلس الأعيان كغرفة ثانية في مجلس الأمة، حيث سيكون دوره مهم في مناقشة القوانين وأبرزها قانون الموازنة العامة.
وفيما يتعلق بتعيين ولي العهد أو نائب الملك فهذا شأن خاص بالعرش ولا علاقة للحكومات به، وهو بيد جلالة الملك وحده، وهو ما يعزز دور العرش كضامن وحيد للدولة الأردنية والإصلاح والمسيرة الديمقراطية.
بالاضافة الى ماسبق فأن الصورة ستكتمل لو تضمنت التعديلات منصبي رئيس ديوان المحاسبة ومجلس أمناء المركز الوطني لحقوق الإنسان ومفوضه العام لمجوعة الجهات التي يتم تعيينها من قبل جلالة الملك وحده، فهذه الأطراف تقوم بعملية رقابية مهمة ويجب ألا تخضع لأية سلطة كي تمتلك حرية إبداء رأيها والإفصاح عما توصلت إليه من نتائج.
الرسالة الملكية باتت واضحة، لا بد من إحداث تطور في الحياة السياسية لتكون الأحزاب فاعلة ومؤثرة وقادرة على تشكيل الحكومات وإدارة الدولة وفق منهج وبرنامج يعكس هذا المنهج، مع إبقاء العناصر الضامنة لاستقرار الدولة في منأى عن التجاذبات السياسية والحزبية، ولكن هل النخبة السياسية الأردنية جاهزة للقيام بدورها المفروض، أسئلة كثيرة يجب الإجابة عليها قبل التوصل للنتيجة، ولكن يبدو الطريق معبداً من دون امتلاك الساسة الأردنيين لعربات قادرة على السير على الطريق، وهو ما قد يحدث إرباكاً في المرحلة القادمة.