د. عصام سليمان الموسى - جامعة اليرموك- كلية الاعلام - حين يرحل الكبار، نفتح دفتر الذكريات، ونبحث في الصفحات، فان حالفنا الحظ، تكتحل عيوننا بصورة قلمية او فوتغرافية لهم. وحين توفي المطرب الشعبي المشهور توفيق النمري رحمه الله، عدت الى مذكرات والدنا مؤرخ الأردن سليمان الموسى (ثمانون: رحلة الأيام والأعوام) المنشورة، وقرأت عن زمالتهما في مدرسة الحصن الابتدائية في مطلع اللاثينييات من القرن الماضي، وعن زملاء آخرين في الصفوف الابتدائية في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ الأردن.
عاش والدي تلك السنوات مغتربا في الحصن. كان انهى الصفوف الأولى في قرية الرفيد. وكانت تضحية كبيرة من جدتي فرحة الناصر ان تبعث بوحيدها، بعد وفاة والده، في ظروف مادية صعبة، الى هناك ليدرس في مدرسة الحصن لإكمال دراسته الابتدائية هناك، لكن قوة الإرادة انتصرت.
 وتزامل والدنا مع مجايليه من الفتية الذين درسوا في ابتدائية الحصن : وكان منهم الفنان توفيق النمري الذي برز شخصية مستقلة في المذكرات .
 
توفيق النمري
في عام 1930 التحق والدنا في مدرسة الحصن، وفي كتابه يروي تجربته فيها وعمره وقتها لا يزيد ا عن 12 او 13 عاما قائلا:
«امضيت في قرية الحصن سنوات عادية، لا استطيع ان اقول انها كانت سنوات سعيدة. كنت اعاني من الشعور بالغربة والوحدة، والشعور احيانا بالبؤس والتعاسة. وأذكر من مدراء المدرسة الأستاذ محمود ابو غنيمة والأستاذ بسيم الخماش. اما من المعلمين فأذكر متري الحمارنة وميخائيل هلسة وشكيب الداغستاني وعبد الحفيظ جاسر. ,اذكر بصورة خاصة المعلم مُنح (بضم الميم) غلاونجي من اللاذقية، وكان رجلا غريب الأطوار يضع علامات للطالب أحيانا دون ان يعرف مدى استيعابه لمادة الدرس، اذ يدعو الطالب للوقوف أمامه لحظة ثم يصرفه ويسجل له العلامة التي تخطر على باله. وكانت لذلك المعلم حركات تثير استغراب الطلاب وضحكهم. واذكر ان أحد الزملاء في الصف فدعوس الصالح (الذي ابدل اسمه فيما بعد فاصبح توفيق النمري، واحترف الغناء فصار مطربا معروفا)، كان يحاول تقليد المعلم مُنح في بعض الأحيان حينما يدير ظهره وهو يسير جيئة وذهابا في مقدمة صفوف المقاعد. وكانت حركاته في التقليد تثير ضحك الطلاب. ويسمع المعلم الضحكات فيلتفت حانقا منرفزا ليواجه الطلاب الذين كانوا عند التفاته يعودون الى الصمت والجلوس ساكنين في مقاعدهم. ولم يلبث المعلم مُنح ان اكتشف ان فدعوس هو الذي يقوم بالحركات المثيرة للضحك، فكان يعاقبه أحيانا،...وكانت لهجة المعلم تثير أحيانا عاصفة من الضحك بين الطلاب...

وشوكت الخصاونة وخليل السالم
«عندما وصلت الى الصف الخامس، وبعده الى الصف السادس، أصبح عدد الطلاب قليلا، اي ان العدد لم يكن يتجاوز خمسة عشر طالبا. ولم يكن هؤلاء كلهم من قرية الحصن. وهذا يدل على ان اقبال الناس على ارسال أبنائهم الى المدارس كان ضعيفا. وأنني اذكر ان الصف السادس الإبتدائي الذي تخرجت منه كان يضم من ابناء القرى المحيطة بالحصن ما يقارب نصف العدد. فقد كنت انا من الرفيد، وسليمان الذياب من قرية شطنا وجمال الخوري حداد من قرية الطيبة، وشوكت رشيد الخصاونة من قرية ايدون، وكان هناك طالبان او أكثر من قرية الصريح، وكان بعض الطلاب من القرى القريبة (الصريح وايدون وشطنا) يأتون في الصباح الى المدرسة ويعودون عصرا الى قراهم، مشيا على الأقدام في رحلة تستغرق نصف ساعة او ساعة، في مختلف فصول السنة. أما الطلال القادمون من القرى البعيدة (الرفيد والطيبة) فكانوا يضطرون للإقامة في الحصن، ولا يذهبون الى قراهم الا في اجازات الأعياد الطويلة وفي الإجازة السنوية الكبيرة. « في الصف السادس كان خليل السالم من زملائي، وهو الأول في الصف دائما، اذ كان يتميز بالذكاء والاجتهاد معا... واذكر من زملاء الدراسة توفيق النمري الذي احترف الموسيقى والغناء وأحرز شهرة طيبة. كما أذكر صديقي علي الموسى الذي لم التق به منذ ان تركنا المدرسة. واذكر ايضا سليمان الذياب وجمال حداد وبهجت سويلم عماري وجريس الريحاني وسويلم العيسى النمير. أما الزملاء الآخرون فلا أدري ماذا صنعت بهم الأيام» تخرج والدنا من مدرسة الحصن عام 1934. وبعدها سلك دربا، وسلك آلآخرون دروبا أخرى.. التقت دروبهم احيانا..لكنهم في النهاية رحلوا عن عالمنا بذكر طيب وأثر كريم خلفوه لنا.
في أربعينية المرحوم توفيق النمري نقرأ كيف عاش هؤلاء الأباء الرواد، الذين بنوا الوطن، و كيف كانت حياتهم بسيطة متواضعة مليئة بالجد والمثابرة، والمرح البريء، ونترحم على ارواحهم الطاهرة وتضحياتهم الكبيرة.
«امضيت في قرية الحصن سنوات عادية، لا استطيع ان اقول انها كانت سنوات سعيدة. كنت اعاني من الشعور بالغربة والوحدة، والشعور احيانا بالبؤس والتعاسة. وأذكر من مدراء المدرسة الأستاذ محمود ابو غنيمة والأستاذ بسيم الخماش. اما من المعلمين فأذكر متري الحمارنة وميخائيل هلسة وشكيب الداغستاني وعبد الحفيظ جاسر. ,اذكر بصورة خاصة المعلم مُنح (بضم الميم) غلاونجي من اللاذقية، وكان رجلا غريب الأطوار يضع علامات للطالب أحيانا دون ان يعرف مدى استيعابه لمادة الدرس، اذ يدعو الطالب للوقوف أمامه لحظة ثم يصرفه ويسجل له العلامة التي تخطر على باله. وكانت لذلك المعلم حركات تثير استغراب الطلاب وضحكهم. واذكر ان أحد الزملاء في الصف فدعوس الصالح (الذي ابدل اسمه فيما بعد فاصبح توفيق النمري، واحترف الغناء فصار مطربا معروفا)