حكمت النوايسة

 حكمت النوايسة
أما مؤاب، فسلسلة جبليّة تمتدّ من شما ل الكرك إلى الشوبك، هي جغرافيا التواجد الحضري، والعراك الاجتماعي منذ أن كانت الأرض، تعاقب عليها أمم وجماعات شتّى : المؤابيون ومن هنا جاء اسمها:
الأنباط
الغساسنة
الرومان
الغساسنة الرومان
العرب المسلمون
المسلمون
الأتراك
المسلمون العرب
وهذه الأقوام تشير إلى السيطرة السياسية، أما السيطرة الاجتماعية فهي عربية الوجه منذ آدم... حباها موقعها المتوسط هذا الشريان النابض المستشعر... الذي يتفاعل مع كل ما يمس أمّة العرب بصورة تلقائية، كانتفاضة القلب وقد خافت يدٌ، أو وجلت قدمٌ، أو اهتزّت عقصةٌ أو رفّ شارب......
ناغمت مكّة عندما نسي المسلم إسلامه وتذكّر أنه تركيّ وحسب، فرافقت هبّتها الرصاصة الأولى في مكّة، وقدّمت الشهداء مشتبشرة.............
وصارت الأرض (بتتكلم عربي)
شعيرة
بيد من وجل أشير
بأصابع من شوق مجنون أتلمّس
وأغسل التاريخ بدهاء الجغرافيا
وفطنتها
وبضراوة الحجر
أصنع الشبابيك دوائر للاحتمالات
وموسيقى لقلوبٍ أتلصّصها بأذنٍ
طازجةٍ
وتأريخ أبيض
أمام حجرٍ أسود
حجر مؤاب كان أسود
وسجّل فيه ميشع انتصاراته
وهو معروف الآن بـ «نقش ميشع»
صوت
«أنا مفطوم على التراب
ولي جدٌ   حجرٌ 
جدّة منارة
أنا من مؤاب
صانعت الريح على أن يبقى ثوائي نقيّا
ويبقى بيتي محروساً بمرونة الشبابيك»
كان الصوت مجلجلاً يعاودني بين الفينة والأخرى، فأتلعثم، وتحترق أصابعي، وهي تحاول أن تقشّر جسدي من الرمل :
(بنيت كركا
الكرك، كركا، كير حارسة............... أين قرأت ذلك ؟ أحاول الذاكرة فينهبني بياضها...  ويعود الصوت:
(بنيت كركا....وهزمت عَمْري   .............. وانتقمت منه ومن أهله)
أيعقل أن أكون الفاقد والمفقود ؟ أيعقل أن أكون نبطيا ومؤابيا في آن ؟ من أنا بعد هذا الغبار والمجاز ؟ بعد كلام الصّديقين وعبث الطامحين !!!!
بين معجز أحمد وعبث الوليد
بين خاتم عمروٍ ومعصم أبي موسى
* هامش : يقال أن رجلين كان بيديهما مصير أمّة، ومنهج حياتها المقبلة، فتبايعا على أن يخلع كل واحد منهجه ويحتكما إلى منهج سواء، فخلع الأول منهجه قائلا :
أنا أخلع صاحبي كما أخلع هذا الخاتم.
فقال الثاني :
أما أنا فأثبّت صاحبي كما أثبّت هذا الخاتم.
فأصبحت الأمة معصمين :
معصم مختوم ومعصم عار من خاتمه.
* استطراد على الهامش :
المعصم العاري مازال هامة * تخرج في الليل على شكل فتاة في مقتبل العمر تنتفض من البرد، وتبحث عن معطف لكي يدفئها......
أيّها المار في مؤاب......
إذا وجدت تلك الفتاة في طريقك لا تقف
إنها المعصم يبحث عن خاتمه
والخاتم محفوظ في متحف اللوفر
وقيل في الأستانة
إنها  المعصم ولن تكون الخاتمَ أنت
(* الهامة) الروح الباحثة عن الثأر لمقتل صاحبها.
- صوت _
«الأنباط أهلك، أسّست لهم القاعدة وهم بنو
وأسّسوا لي القاعدة وأنا بنيت
لم يهدم أيّ منا جذور الآخر 
ولم يطفئ جذوته
اعتقدوا بالتجارة والكلام
واعتقدت بالحجر
فصنعوا معجزة الحجر في الرّقيم * وكتبوا مدينة
وكتبت ما يجعل التراب أقربَ للتراب
والسماء نجمة متكاثفة على هيئة وسامٍ حجرٍ
(* الرقيم) اسم البتراء، وهي رقيم لأنها مرقومة في الصّخر،   وهي بتراء لأنها فريدة الأزمنة، صنعتها يدُ الجنّ ولم تبسمل.
ما أحوجني للحظة عري أمام أرضٍ معشبة بالتفاصيل !!
والأحجيات !!
هي أرضٌ بكر لم تنجب
ولم يمسسها إنسٌ ولا جان ولا مطر
بالنسخ كانت هذه الوجوه الحادّة.... والجباه السُّمر
وبالفيض النوري كانت هذه الحجارة المعجزات
فأصبحت مقيلا للنسور الهرمة ومأوى للحمام
كلما جاءها غاز ظنّها الفردوس،وتعلّم النحت والطرق بالإزميل في صفحة الحجر
والتبس الغازي بالمغزو .................. وفرّقت بينهما بالبتراء وربّة ميشع
وهي هي
المنذورة للفلق والغسق وتنفّس الصبح
تحتضن الغازي فتلعب به الظنون
وما أن ينتهك الحليب حتى لتنقلب الحُلْمةُ إزميلا
يزيل ملامحه المؤابيّة، فتظهر له سوءته
ويحرد ورق الجنّة عن ستْره ؛ فيزول كما تزول الزّوبعة يحدوها حدد *
(* حدد) إله المطر والرّيح.
زارها العبرانيون فظنّوا وظنّوا............. إلى أن خرج البشر والحجر عليهم وقذفهم إلى حيث قالوا : «تلك أرض ملعونة..............لا نريد أن نطأها»
وزارها الرّومان، فظنّوا وظنّوا ؛ فظنّ الشجر والحجر وخاصمهم التراب إلى أن جاءت طلائع الفتح بمؤتة، فاهتزّت وربت، وعاد للعربي فيها وجهه، فخلع عباءة الرومي، وارتدى دقء الإيمان، ؛ فكأن الأسمر البدوي والأبيض الغسّاني توحّدا توحّد القلم والحبر، وكتبا صفحةً مشرقاً لونها تسرّ الناظرين.
وكأن دم جعفر ورفاقه ماء الحياة، فما أن تقطّر حتى لتنتفض الأرض فلا تمنح حدّة المشرفي * إلا للمشرفي. على قلق تترقب أسامة ابن حِبّ رسول الله، فيتوحّد النبطيُّ مع القرشيّ والجزيري مع الغسّاني كأنّهم لونٌ والإسلامَ يدٌ فُرشاة.
(* المشرفي ) نسبة إلى المشارف، هي من قرى مؤاب، كانت السيوف تصنع فيها ؛ فسمّيت السيوف المشرفيّة، وهي أشهر سيوف العرب *.
* قال الشاعر:
أيقتلني والمشرفيُّ مضاجعي    ومسنونةٌ زرقٌ كأنياب أغوال
وإذا :
أتلفّع بهرير تاريخ ينثال كالماء، ويتغلغل كالحبّ في مسامات الكائن، وينهنهني الوعد والرّعد وهدير ماء كان يملأ الرّحبَ بالرّاح.
وأنزوي
محاولا دالية أو نخلة أو شجرة زيتون لألوذ في الأخضر من أخضر يطاردني بأحلام آدم ولذّة الاكتشاف.
هي مرهونة الوعد، مرهم الجرح العربي، إذ انتفض صلاح الدين معلناً :
«أنت طريقي إلى القدس»
-الصوت -
نم في وسائد المنفى، فمؤاب لم تكن وطناً يدخله الدّاخلون، ويغادره الخارجون متى شاءوا،................إنّها العفّة الوالدة، والعذراء الرّؤوم، لم تكن بعيدة فتحبَّ، ولم تكن قريبةً فتبشم نواطيرها وتنام...............
عين على الصحراء،
وعين على القدس
هي بابها، وتقسيراتها في شروحات الحجر ومواقيته
ولك أن تنام متوسّدا الشّيح وملتحفاً سماءً
غير السّماء
غير السّماء
فالشّيحُ يمنحك ( أوزونَه ) الأخير.