الانتقال من هندسة الأنظمة إلى هندسة الوعي

تاريخ النشر : السبت 12:50 1-8-2026

لم يعد السؤال في عصر الذكاء الاصطناعي: ماذا تستطيع الآلة أن تنتج؟ بل، ماذا بقي للإنسان أن ينتجه وحده؟

لم تعد التقنية اليوم مجرد مجموعة من الأدوات التي يستخدمها الإنسان لإنجاز أعماله بكفاءة أعلى، كما اعتدنا أن نصفها طوال العقود الماضية. فهذا التعريف، على الرغم من صحته التاريخية، لم يعد كافياً لتفسير ما نشهده من تحولات متسارعة.

لقد تجاوزت التقنية وظيفة المساعدة، وبدأت تؤدي دوراً أكثر عمقاً وتأثيراً؛ فهي لم تعد تسرّع إنتاج المعرفة فحسب، بل أصبحت تشارك في إنتاجها، وإعادة تنظيمها، وتفسيرها، وتحديد مسارات انتشارها داخل الفضاء الرقمي. ومن هنا تنشأ الإشكالية التي تنطلق منها هذه المقالة.

فنحن لم نعد أمام سؤال تقني يتعلق بكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، بل أمام سؤال معرفي وثقافي يتعلق بطبيعة التحول الذي أصاب عملية إنتاج الثقافة نفسها.

لقد اعتدنا، عبر تاريخ الحضارة الإنسانية، أن نفهم الثقافة بوصفها نشاطاً إنسانياً خالصاً. فالمؤلف يكتب، والناقد يفسر، والقارئ يؤول، ثم تتولد المعرفة من الحوار الذي يجري بين العقول البشرية.

غير أن هذا النموذج التاريخي بدأ يشهد تحولاً جذرياً.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على إنتاج النصوص، بل أصبح يشارك في كتابة المقالات، وصياغة التقارير، ورسم الصور، وإنتاج الفيديو، وتأليف الموسيقى، والترجمة، والتلخيص، والتحليل، واقتراح الأفكار، بل وحتى المساهمة في بناء الحجج وإعادة تنظيمها.

وفي المقابل، لم تعد الخوارزميات تؤدي وظيفة توزيع المحتوى فقط، وإنما أصبحت تتحكم في مسارات ظهوره، وتحدد أولويات وصوله، وتشارك بصورة مباشرة في تشكيل المجال العام الذي تتحرك داخله الأفكار.

وهنا يتغير السؤال كله. لم يعد السؤال: كيف تؤثر التكنولوجيا في الثقافة؟ ولم يعد كذلك: كيف تستخدم الثقافة التكنولوجيا؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: من ينتج الثقافة في العصر الخوارزمي؟

إن أهمية هذا السؤال لا تكمن في كونه سؤالاً عن الذكاء الاصطناعي، وإنما لأنه سؤال عن الإنسان نفسه؛ عن موقعه داخل دورة إنتاج المعنى، وعن حدود دوره بعد أن أصبحت المنظومات الخوارزمية تشارك في مراحل كانت، حتى وقت قريب، حكراً على العقل البشري. ومن هنا تنطلق الأطروحة الأساسية لهذه المقالة.

إن التحول الذي نعيشه اليوم لا يمكن اختزاله في كونه ثورة تقنية، لأن الثورات التقنية رافقت البشرية في مراحل متعددة من تاريخها. أما ما نشهده اليوم فهو انتقال من طبيعة مختلفة؛ انتقال من تصميم الأنظمة إلى تصميم البيئة التي تتشكل داخلها الأفكار، ومن تطوير البرمجيات إلى إعادة تشكيل آليات الإدراك، ومن هندسة البنية التقنية إلى هندسة الوعي الإنساني. ولذلك فإن عنوان هذه المقالة ليس استعارة لغوية، بل توصيفاً لتحول تاريخي يتمثل في الانتقال من هندسة الأنظمة إلى هندسة الوعي.

ومن أجل فهم هذا التحول، سأحاول في هذه المقالة الإجابة عن أربعة أسئلة رئيسة: كيف أصبحت المنظومات الخوارزمية شريكاً في إنتاج الثقافة؟ كيف أعادت هذه المنظومات توزيع السلطة الثقافية ما بين المؤلف والقارئ والمنصة؟ لماذا لم يعد اقتصاد الانتباه كافياً لتفسير ما يحدث، ولماذا أصبحنا أمام ما يمكن تسميته اقتصاد المعنى؟ وكيف يمكن الحفاظ على مركزية الإنسان في عالم أصبحت فيه الخوارزميات تشارك في إنتاج المعنى ذاته؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالمستقبل البعيد، بل تصف واقعاً بدأ يتشكل بالفعل، وسيكون فهمه شرطاً أساسياً لفهم الإعلام والثقافة خلال العقد القادم.

الخوارزميات وإعادة تشكيل الدورة الثقافية؟

إذا أردنا أن نفهم طبيعة التحول الذي نعيشه اليوم، فعلينا أن نعيد النظر في الطريقة التي تُنتج بها الثقافة نفسها. فعلى امتداد التاريخ، كانت الدورة الثقافية بسيطة وواضحة، تبدأ بفكرة يولدها الإنسان، تتحول إلى نص أو عمل فني، ثم تتولى مؤسسة ثقافية أو إعلامية نشرها، لتصل بعد ذلك إلى الجمهور، الذي يعيد قراءتها وتأويلها وإنتاج معرفة جديدة انطلاقاً منها.

كانت الدورة، مهما اختلفت وسائطها، تقوم على علاقة مباشرة ما بين البشر. إنسان يكتب، وإنسان يقرأ، وإنسان ثالث يناقش أو ينتقد. أما المنصات والمؤسسات فلم تكن سوى وسائط لنقل هذه العلاقة. غير أن هذا النموذج لم يعد يصف الواقع الذي نعيشه.

لقد دخلت المنظومات الخوارزمية إلى جميع مراحل الدورة الثقافية، فلم تعد تقتصر على نقل المحتوى، وإنما أصبحت تشارك في إنتاجه منذ لحظة ميلاد الفكرة وحتى إعادة إنتاجها مرات متتالية.

ولإدراك حجم هذا التحول، يكفي أن نتأمل دورة إنتاج بسيطة تحدث اليوم آلاف المرات كل دقيقة. يريد شخص أن يكتب فكرة، فيلجأ إلى منصة ذكاء اصطناعي لتوليد النص الأولي. ثم تطلب منه المنصة عنواناً أكثر جاذبية، أو تقترح عليه عنواناً جديداً. بعد ذلك تُولَّد صورة تعبر عن الفكرة، وربما يُنتج معها مقطع فيديو أو ملخص أو ترجمة إلى لغة أخرى. وعندما يُنشر المحتوى، لا يصل إلى الجمهور مباشرة، بل تمر عملية توزيعه عبر خوارزميات تحدد من سيراه، ومتى، وبأي ترتيب، ولأي فئة من المستخدمين.

لكن التحول لا يتوقف عند هذا الحد. فالقارئ نفسه قد لا يبدأ بقراءة النص، بل يرفعه إلى منصة أخرى ويطلب منها تلخيصه، أو تحليله، أو كتابة تعليق عليه، أو حتى اقتراح رأي يمكن نشره باسمه. ثم يعود صاحب المنشور، فيستخدم منصة أخرى لكتابة الرد على ذلك التعليق. وهكذا تتحول دورة الحوار إلى سلسلة من التفاعلات المتبادلة ما بين منظومات خوارزمية متعددة، بينما يقتصر دور الإنسان على الانتقال ما بين هذه المنصات، واختيار ما يراه مناسباً للنشر.

وهنا تظهر إحدى أهم نتائج هذا التحول. لم يعد الإنسان يحتكر إنتاج المحتوى، كما لم يعد يحتكر تفسيره أو إعادة إنتاجه. لقد أصبح شريكاً في منظومة أوسع تتوزع فيها عملية إنتاج المعنى بين الإنسان والخوارزمية.

ولهذا أقترح وصف هذه العملية بمفهوم «الدورة الثقافية الخوارزمية المغلقة». وأقصد بها منظومة لا تتحرك فيها الثقافة في خط مستقيم من المؤلف إلى القارئ، وإنما تدور داخل حلقة متصلة، يعاد فيها إنتاج النص، والتعليق، والصورة، والفيديو، والترجمة، والتحليل، بصورة مستمرة.

فالنص يصبح مادة لتعليق، والتعليق يتحول إلى رد، والرد يتحول إلى تحليل، والتحليل يتحول إلى فيديو، والفيديو يتحول إلى منشور جديد. ثم تعود هذه المخرجات كلها مرة أخرى إلى منصات الذكاء الاصطناعي لتبدأ دورة جديدة من الإنتاج.

وللمرة الأولى في تاريخ الثقافة، تصبح المنظومات التقنية شريكاً دائماً في جميع مراحل الدورة الثقافية، وليس في مرحلة واحدة منها فقط. وهذا ما يجعل التحول الذي نعيشه اليوم مختلفاً عن جميع التحولات التقنية السابقة. فالآلة البخارية غيرت الصناعة، والكهرباء غيرت الإنتاج، والإنترنت غيرت طريقة الاتصال. أما الذكاء الاصطناعي، فقد بدأ يغير الآلية التي تُنتج بها الثقافة نفسها. ومن هنا فإن السؤال لم يعد: كيف ينتشر المحتوى؟ بل أصبح: كيف أصبحت الثقافة تعيد إنتاج نفسها داخل منظومة خوارزمية مغلقة، يتحول فيها الإنسان من المركز الوحيد لإنتاج المعنى إلى أحد أطراف شبكة تشارك في إنتاجه؟

هذه، في تقديري، هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها أي بحث معاصر في الإعلام والثقافة؛ لأنها تنقل النقاش من مستوى الأدوات إلى مستوى البنية العميقة التي يعاد داخلها تشكيل الوعي الجمعي.

إعادة توزيع السلطة الثقافية في العصر الخوارزمي

إذا كانت الثورة الصناعية قد أعادت توزيع وسائل الإنتاج، فإن الثورة الخوارزمية تعيد اليوم توزيع سلطة إنتاج الثقافة نفسها. وهذا، في تقديري، هو التحول الأعمق الذي ينبغي أن يشغل الباحثين في الإعلام والثقافة.

لقد اعتدنا، طوال قرون، أن ننظر إلى العملية الثقافية بوصفها علاقة واضحة بين أطراف محددة. فالمؤلف ينتج النص، والناقد يفسره، والقارئ يعيد تأويله، والناشر يقرر ما يستحق الوصول إلى المجال العام. وكان لكل طرف وظيفة محددة، وسلطة معرفية واضحة.

أما اليوم، فإن الحدود التي كانت تفصل ما بين هذه الأدوار بدأت تتلاشى تدريجياً. فالكاتب لم يعد يبدأ دائماً من الصفحة البيضاء، بل يبدأ من اقتراحات تولدها منظومة خوارزمية. وقد يستعين بها في بناء الشخصيات، وصياغة الحوار، وإعادة ترتيب الأفكار، واقتراح العناوين، وحتى مراجعة الأسلوب. ولا يعني ذلك أن المؤلف اختفى، بل إن المعرفة التي كان ينتجها بمفرده أصبحت تتشكل داخل عملية تفاوض مستمرة ما بينه وبين المنظومة الخوارزمية. ومن هنا أقترح مفهوم «الراوي الخوارزمي». ولا أقصد به أن الذكاء الاصطناعي أصبح مؤلفاً للرواية أو بديلاً عن الكاتب، وإنما أقصد أن الوظيفة التي كان يؤديها الراوي العليم بوصفه المصدر الوحيد للمعرفة داخل النص، أصبحت موزعة ما بين عقل الإنسان ومنظومات الذكاء الاصطناعي. فالكاتب يسأل، والمنصة تقترح، والكاتب يختار، ثم تعيد المنصة اقتراح بدائل جديدة.

فتنشأ معرفة سردية مشتركة، لا تنتج من طرف واحد، بل من تفاعل مستمر ما بين الإنسان والخوارزمية.

لكن التحول لا يتوقف عند المؤلف، بل يمتد إلى القارئ نفسه. فالقارئ المعاصر لا يبدأ دائماً بقراءة النص، وإنما يبدأ كثيراً من الأحيان بقراءة تفسيره. يرفع الكتاب أو الدراسة إلى منصة ذكاء اصطناعي، ويطلب تلخيصها، أو شرحها، أو استخراج أفكارها الرئيسة، أو حتى كتابة رأي نقدي حولها. وهكذا تصبح القراءة نفسها عملية تمر عبر وسيط خوارزمي. ومن هنا يمكن الحديث عن «القارئ الخوارزمي»؛ أي القارئ الذي يتلقى النص بعد أن أعادت الخوارزمية تنظيمه وتفسيره، لا قبل ذلك.

وبهذا المعنى، لم تعد العلاقة الثقافية تدور بين مؤلف وقارئ فقط، وإنما أصبحت علاقة ثلاثية تضم الإنسان، والنص، والخوارزمية.

غير أن التحول الأكبر يتمثل في اختفاء الوسيط الثقافي التقليدي. فعبر التاريخ، كانت الثقافة تمر دائماً عبر مؤسسات تؤدي وظيفة الوسيط: دار النشر، والصحيفة، والمحرر، والناقد، ورئيس التحرير، وحارس البوابة. وكانت هذه المؤسسات تقرر ما الذي يُنشر، وما الذي يُحجب، وما الذي يستحق الاهتمام. أما اليوم، فإن المنصة الرقمية أصبحت تؤدي معظم هذه الوظائف في وقت واحد. فهي لا تنشر المحتوى فقط، بل تساعد في إنتاجه، وتصححه، وتترجمه، وتقترح عنوانه، وتولد صوره، ثم تحدد جمهوره، وتقيس أثره، وتعيد ترتيب ظهوره.

ولهذا لم تعد الخوارزمية حارساً للبوابة كما وصفتها الأدبيات الكلاسيكية، بل أصبحت مهندساً للبوابة.

إنها لا تختار ما يمر فحسب، بل تعيد تصميم الطريق الذي تمر عبره الأفكار نفسها.

ومن هنا، فإننا لا نشهد مجرد ظهور وسيط جديد، بل نشهد انتقالاً تاريخياً تصبح فيه المنصة البيئة التي تمارس داخلها معظم الوظائف الثقافية التي كانت موزعة سابقاً بين مؤسسات متعددة.وهذا التحول يقودنا إلى نتيجة أكثر عمقاً. إذا كان المؤلف لم يعد ينتج وحده، والقارئ لم يعد يقرأ وحده، والوسيط لم يعد يحتكر توزيع المعرفة، فإن الذات الإنسانية نفسها بدأت تتغير.

لقد كانت الذات الحديثة تُعرَّف بوصفها ذاتاً مستقلة؛ تفكر، ثم تقرر، ثم تكتب، ثم تتحمل مسؤولية ما كتبت. أما اليوم، فإن التفكير نفسه أصبح يجري داخل فضاء من الاقتراحات والتوصيات والتوليد الخوارزمي. فالإنسان يبدأ مشروعه بسؤال، وتقترح الخوارزمية أسئلة أخرى، ويقترح الإنسان تعديلاً، فتعيد المنصة بناء الفكرة، ثم يختار الإنسان أحد الاحتمالات، قبل أن تعود الخوارزمية لتولد احتمالات جديدة.

إنها ليست علاقة ما بين مستخدم وأداة، بل علاقة تفاوض مستمرة حول إنتاج المعرفة.

ولهذا فإن الذات في العصر الخوارزمي لم تفقد إنسانيتها، لكنها لم تعد تعمل في عزلة كما كانت في السابق.

إنها أصبحت ذاتاً تتشكل داخل بيئة تشارك في تنظيم الذاكرة، وتوسيع الاحتمالات، وإعادة بناء الأفكار.

ومن هنا يصبح السؤال الفلسفي الذي يفرض نفسه:

إذا كانت الخوارزميات تشارك في إنتاج النص، وتفسيره، وتوزيعه، بل وحتى في اقتراح الفكرة التي يبدأ منها التفكير، فهل ما زالت السلطة الثقافية مستقرة في يد الإنسان وحده، أم أننا أمام نظام جديد أعاد توزيعها ما بين الإنسان والمنصة؟ أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال ستكون مفتاح فهم الثقافة في العقود المقبلة.

من اقتصاد الانتباه إلى اقتصاد المعنى

على امتداد العقدين الماضيين، هيمنت على دراسات الإعلام الجديد فكرة أصبحت أقرب إلى المسلّمات، وهي أن المنصات الرقمية تتنافس على مورد واحد هو انتباه الإنسان. ومن هنا ظهر مفهوم اقتصاد الانتباه (Attention Economy)، الذي افترض أن المورد الأكثر ندرة في العصر الرقمي لم يعد المعلومات ولا المال، بل قدرة الإنسان المحدودة على التركيز وسط فيض هائل من المحتوى.

ولهذا صُممت واجهات الاستخدام، والإشعارات، وخوارزميات التوصية، وآليات التمرير اللانهائي، ومقاطع الفيديو القصيرة، جميعها بهدف واحد، ألا وهو الاحتفاظ بانتباه المستخدم لأطول مدة ممكنة.

وقد نجح هذا التفسير في وصف المرحلة الأولى من تطور المنصات الرقمية. إلا أن ما نشهده اليوم يشير إلى انتقال أكثر عمقاً. فالمنصة لم تعد تكتفي بجذب انتباه الإنسان، بل أصبحت تشارك في تفسير العالم له.

وهنا يكمن التحول الحقيقي. ففي الماضي كانت المنصة تقول للمستخدم: «انظر إلى هذا المحتوى»،

أما اليوم فهي تقول له أيضاً: «هذا هو المحتوى الذي ينبغي أن تراه»، ثم تضيف بصورة غير مباشرة: «وهذه هي الطريقة التي أقترح أن تفهمه بها». فهي لا تعرض الخبر فقط، بل تقترح ملخصه. ولا تعرض المقال فقط، بل تشرح فكرته. ولا تعرض النقاش فقط، بل تقترح التعليق المناسب عليه. ولا تعرض الخلاف فقط، بل تولد الردود الممكنة. وهكذا لم تعد المنصة تكتفي بإدارة تدفق المعلومات، وإنما أصبحت تشارك في إنتاج الإطار التفسيري الذي تُفهم من خلاله تلك المعلومات.

ومن هنا أقترح أن ما نعيشه اليوم لم يعد مجرد اقتصاد للانتباه، بل أصبح اقتصاداً للمعنى. وفي هذا الاقتصاد الجديد، لا تكون المنافسة على الزمن الذي يقضيه الإنسان أمام الشاشة، وإنما على السلطة التي تحدد كيفية فهمه لما يراه. فالانتباه مورد محدود، أما المعنى فهو سلطة. ومن يشارك في إنتاج المعنى، يشارك في تشكيل الثقافة. ومن يشارك في تشكيل الثقافة، يشارك في تشكيل الوعي. ولهذا فإن التحول الذي نشهده اليوم لا يمكن تفسيره بلغة المنافسة الاقتصادية وحدها، بل ينبغي فهمه بوصفه انتقالاً حضارياً في طبيعة السلطة الثقافية.

لقد كانت المؤسسات التعليمية، والجامعات، ودور النشر، والصحف، لعقود طويلة، الجهات الرئيسة التي تنتج الأطر التفسيرية التي يفهم الإنسان العالم من خلالها. أما اليوم فقد دخلت المنصات الخوارزمية إلى هذا المجال. فهي تلخص، وتفسر، وتقارن، وتعيد الصياغة، وتقترح، وتولد الاحتمالات. أي أنها أصبحت تمارس وظائف كانت تمثل جوهر العمل الثقافي والمعرفي. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الباحثين في المرحلة المقبلة لم يعد: كيف تجذب المنصات انتباه الجمهور؟ بل: كيف أصبحت المنصات تشارك في إنتاج المعنى الذي يبني الإنسان على أساسه مواقفه، وذاكرته، وصورته عن العالم؟ وفي تقديري، فإن هذا السؤال سيمثل نقطة التحول الأساسية في دراسات الإعلام والثقافة خلال السنوات القادمة، لأنه ينقل مركز الاهتمام من تحليل المحتوى إلى تحليل البنية التي تنتج تفسير ذلك المحتوى.

ولهذا يمكن تلخيص الأطروحة المركزية لهذه المقالة في العبارة الآتية: لم تعد المنصات الرقمية تتنافس على وقت الإنسان، بل على المشاركة في إنتاج المعنى الذي يفهم به العالم.

وهذه هي، في رأيي، المرحلة الجديدة التي دخلتها البيئة الرقمية؛ مرحلة لم تعد فيها الخوارزميات تكتفي بإدارة تدفق المعلومات، بل أصبحت تشارك في بناء الواقع الإدراكي الذي تتحرك داخله المجتمعات.

الخاتمة

بعد هذا المسار، يمكننا أن نعود إلى السؤال الذي افتتحنا به هذه المقالة. لم يعد السؤال في عصر الذكاء الاصطناعي: ماذا تستطيع الآلة أن تنتج؟ بل: ماذا بقي للإنسان أن ينتجه وحده؟

لقد حاولت هذه المقالة أن تبين أن التحول الذي نعيشه لا يتمثل في تطور أدوات جديدة، بل في إعادة تشكيل البنية التي تُنتج داخلها الثقافة والمعنى والوعي. فقد انتقلت المنظومات الخوارزمية من موقع الأداة إلى موقع الشريك. وأصبح الذكاء الاصطناعي يشارك في كتابة النص، وبناء الصورة، وإنتاج الفيديو، وترجمة المعرفة، وتفسيرها، وإعادة توزيعها. وأصبح المؤلف، والقارئ، والوسيط، والمنصة، أطرافاً في دورة ثقافية جديدة، تتداخل فيها الأدوار، وتتوزع فيها السلطة الثقافية بصورة لم يعرفها التاريخ من قبل. ولذلك فإننا لا نعيش مجرد ثورة تقنية، بل انتقالاً حضارياً من هندسة الأنظمة إلى هندسة الوعي.

لكن هذا الانتقال لا يعني نهاية الإنسان، كما لا يعني انتصار الآلة. إنه يفرض علينا إعادة تعريف الإنسان نفسه داخل بيئة أصبحت الخوارزميات جزءاً من عملية التفكير فيها، لا مجرد أدوات تعمل بعد اكتمال التفكير. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في تعلم استخدام الذكاء الاصطناعي، فذلك أصبح ضرورة مهنية ومعرفية، وإنما في المحافظة على ما لا تستطيع الخوارزميات إنتاجه، الخبرة الإنسانية، والضمير الأخلاقي، والخيال، والقدرة على طرح الأسئلة التي لم تُكتب بعد. لأن الثقافة، مهما تطورت أدوات إنتاجها، ستبقى في جوهرها مرتبطة بقدرة الإنسان على منح العالم معنى، لا بمجرد قدرته على إنتاج النصوص.

ولهذا، فإن القضية التي ستواجه الإعلام والثقافة في العقود القادمة لن تكون قضية التقنية ذاتها، بل قضية الإنسان بعد أن أصبحت الخوارزميات شريكاً دائماً في إنتاج المعنى.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }