قاص وروائي عراقي يؤكد أن إيمانه بالكتابة وجدواها يزداد رسوخاً

حاوره: نضال القاسم

حمل الكاتب العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي منذ بداياته القصصية هَمَّ التأسيس لقصة مغايرة، قصة ذات سمات وملامح وهوية عربية قادرة على كسر الحدود الجغرافية والتقوقعات القطْرية، وكان يريد لنصوصه أن تفرض حضورها وأن تكون ابنة الواقع وشاهدة عليه، رافضاً شحنها بالشعارات.
وُلد الربيعي في مدينة الناصرية جنوب العراق يوم 12/8/1939. درس الرسم وتخرج في معهد الفنون الجميلة وكلية الفنون الجميلة ببغداد، اتجه نحو العمل الصحفي والتأليف أكثر مما اهتم بالرسم والفن التشكيلي الذي ظل هوايةً عنده أكثر منه احترافاً. أصدر نحو أربعين كتاباً في القصة والرواية والشعر والدراسات.
أصدر الربيعي مجموعته القصصية الأولى «السيف والسفينة» في العام 1966، وأشرف على تحرير الصفحة الثقافية في صحيفة «الأنبار الجديدة»، و»الفجر الجديد». وقد مارس التدريس والصحافة وعمل مديراً للمركز الثقافي العراقي في كل من بيروت وتونس. وهو عضو في هيئة تحرير مجلة «الحياة الثقافية» التي تصدرها وزارة الثقافة التونسية.
من مؤلفاته القصصية: «الظل في الرأس» (1968)، «وجوه من رحلة التعب» (1974)، «ذاكرة المدينة» (1975)، «الأفواه» (1979) و»نار لشتاء قلب» (1986). وله في الرواية: «الوشم» (1972)، «الأنهار» (19749، «القمر والأسوار» (1976)، «الوكر» (1980) و»خطوط الطول وخطوط العرض» (1983). وفي الدراسات: «الشاطئ الجديد: قراءة في كتابة القصة، أصوات وخطوات» (1984). وفي الشعر: «للحب والمستحيل» (1983)، «شهريار يبحر» (1985)، «امرأة لكل الأعوام» (1985) و»علامات على خارطة القلب» (1987).
تالياً حوار مع الربيعي حول تجربته الإبداعية:



يتوزع نتاجك الأدبي بين القصة والرواية والنقد وقصيدة النثر والسيرة والفن التشكيلي.. كيف يمكن لمفردات هذه «التركيبة المتشعبة» أن تنسجم معاً في شخص واحد، وإلى أيّ خانة من هذه الخانات تحبّ أن تنتسب؟
- هذه التركيبة المتشعبة كما وصفتها انسجمت وذابت في مصهر واحد هو مصهر الكاتب الذي يمارسها. ولكن هذه التركيبة لا تأخذ الاهتمام الموزع بينها، هناك اشتغالات كتابية أساسية شكلت هويتي الإبداعية وتتمثل في القصة القصيرة والرواية، فالقصة القصيرة بدأتُ بها، وجاءت تجربتي الروائية الأولى بعد أربع مجموعات، ولكن هناك ما يمكن أن أسميها «مراوحات» هي من صلب كتابتي السردية، وتمثلت في كتابتي لمؤلفين أحدهما في السيرة الأدبية وعنونته «من ذاكرة تلك اليام- جوانب من سيرة أدبية».
هذا العمل قادتني إليه الكتابة الصحفية، إذ اقترح عليّ بعض الأصدقاء أن أكتب عن أدباء العربية الذين عرفتهم، وكل حلقة كانت تنشرها الصحيفة تشجعني على كتابة حلقة أخرى، خصوصاً وأنني قد عززت الحديث بالصور التي كنت أوثق بها تلك اللقاءات رغم أن معرفتي بأولئك الأدباء كانت عابرة مع بعضهم، وعميقة ومؤثرة مع بعضهم الاخر، وبعد أن فرغت منها (نُشرت في صحيفة «الصحافة» التونسية) قمت بمراجعتها وتبويبها وإضافة فصول أخرى لها تمهيداً لإصدارها في كتابٍ. وهذا ما كان.
أما الكتاب الثاني، فهو سيرة حياتية وعنونته «أيّة حياة هي؟ سيرة البدايات»، إذ إنني وُلدت وعشت حتى سن السابعة عشرة من عمري في مدينة الناصرية جنوب العراق، وهي مدينة ثرية في مخزونها الحضاري والإبداعي، فقد شُيدت على مسافة لا تبعد إلا بضعة كيلومترات عن مدينة «أور» السومرية ومسقط رأس أبي الأنبياء إبراهيم الخليل، وكان لها دورها في ثورة العشرين (1920) بوجه الغزاة البريطانيين، كما أن مؤسس الحزب الشيوعي يوسف سليمان يوسف (فهد) هو من أبنائها، وفي الناصرية عوائل مسيحية عدا الصابئة الذين لهم محلّة كاملة تحمل أسماءهم فيها. كما أن الجيل الأول من مؤسسي حزب البعث هم من الناصرية؛ أمثال فؤاد الركابي وحازم جواد وعبدالله الركابي ومعاذ عبد الرحيم. طبعاً عدا حضور الأحزاب السياسية الديمقراطية في المدينة، أمثال الحزب الوطني الديمقراطي بزعامة كامل الجادرجي، والاستقلال بزعامة فائق السامرائي.
وفي روايتي «القمر والأسوار» حديثٌ عن التركيبة السكانية للمدينة والحياة الاجتماعية والسياسية فيها علماً أن أحداث هذه الرواية تعود إلى السنوات الأخيرة من الحكم الملكي في العراق التي وعيتها.
لكن بعد سنوات سأكتشف أن سنوات البداية في الناصرية وقبل تحولي إلى بغداد لدراسة الرسم في معهد الفنون الجميلة، لا يمكن تقديم شهادتي عنها كما عشتها وعرفتها إلا بكتابة «سيرتي الذاتية»، وهنا أيضاً تدخل الصحافة كمشجع وحاثّ لي، إذ بدأت نشرها على شكل حلقات في مجلة الإذاعة والتلفزة بتونس، ولكن طبيعة هذه المجلة جعلتني أرجئ نشر الفصول الأساسية بما فيها من رصد وشهادة ساخنة إلى مشروع الكتاب الذي كان جاهزاً في مخيلتي، وهذا ما كان، وقد نشرتها دار الآداب اللبنانية (2004) وأعيد نشرها في تونس بعد ذلك.
أما المقالات والشهادات التي جمعتها في أكثر من كتاب، فهي ثمار قراءاتي وعلاقتي بالصحافة اليومية في العراق. فقد أشرفت على تحرير الصفحات الثقافية بصحيفة « الأنباء الجديدة» الأسبوعية التي قدمت معظم أدباء جيل الستينيات في العراق وفق ما ثبته الصديق الشاعر سامي مهدي في كتابه «الموجة الصاخبة»، وكان ذلك الإشراف المبكر في العام 1964، وبعد غلقها تحولت إلى يومية «الفجر الجديد» ثم يومية «الجمهورية». كما اقترن عملي بوزارة الثقافة بدءاً من عام 1968 بالمجلات التي كانت تصدرها الوزارة مثل «المثقف العربي» و»الأقلام» ثم «الإذاعة والتليفزيون».
أما بالنسبة لقصيدة النثر، فكانت اكتشافاً مهماً بالنسبة لي، قادتني إليه مجلة» شعر» اللبنانية عندما حمل أحد الأصدقاء عدداً منها إلى «الناصرية». يومها شعرت أنها قد حررتني من محاولات كتابة قصيدة موزونة (عمودية أو تفعيلية).
جعلتني قراءة القصائد النثرية للأسماء الحاضرة وقتذاك في المجلة منذ سنواتها الأولى، أكتب نصوصاً بعثتها بسرية تامة من دون أن أخبر أحداً من رفاق الأدب والفن أمثال أحمد الباقري وعزيز عبد الصاحب وعبد الرزاق رشيد وغيرهم من أدباء الناصرية، وكانت المفاجأة أن القصائد نُشرت، فألحقتها بأخرى وأخرى نُشرت كلها قبل أن أتوقف عن مراسلة هذه المجلة، إذ كانت الهجمة عليها ضارية.. وتمر السنوات ليكون يوسف الخال صديقاً لي، وتشاء الصدف أن أزوره في المصحة وهو يعالَج من السرطان ثم أَحضر أربعينيته بعد ذلك، وهو من حثني على جمع ما نشرت من قصائد نثر في مجلته أو صحف أخرى ونشرها في كتاب فكان «شهريار يبحر».
وما زلت أحنّ لقصيدة النثر، إذ أرى لها علاقة وثيقة بالسرد، ونَشرت في السنوات الخيرة عدداً من القصائد في مجلة «الحركة الشعرية» تحت عنوان «محطات نائية»، هذه المجلة التي يصدرها بدأب الصديق الشاعر اللبناني قيصر عفيف في مستقره في العاصمة المكسيكية.

انتقلت من كتابة القصة إلى كتابة الرواية، فأصدرت روايتك الأولى «الوشم» في العام 1972. وهل أنت راضٍ عن تجربتك الروائية؟
- بعد أربع مجموعات قصصية كتبتُ «الوشم»، وكان حجمها عند كتابتها بشكلها الأولي ثلاثة أصعاف الحجم الذي صدرت فيه، ومن المؤسف أنني فقدت تلك النسخة الأصلية.
ويبدو لي أن الموضوع الذي نكتب فيه إذا امتدّ وتوسع سيأخذ اشتغالاً مختلفاً عن القصة القصيرة، ورغم أنني لم أتعمد كتابة رواية عندما بدأت كتابة «الوشم»، إلا أنني وجدت نفسي أشتغل على أكثر من شخصية تحتاج كل واحدة منها إلى مزيد من التأني والبلورة. كما أنني لم أعمد كتابة رواية «السجن» العراقية، فهكذا أصبحت محطة في اهتمام الروائيين العراقيين، إذ بُعيد صدورها كتب جهاد مجيد روايته «الهشيم»، وفاضل العزاوي روايته «القلعة الخامسة» ذاهباً إلى الرواية من الشعر.
وهذه الرواية؛ «الوشم»، اختلف فيها المختلفون وقتها، ولكنها أخذت مكانتها في الرواية العربية والعراقية وعُدّت بين أهم مائة رواية عربية، وطُبعت في لبنان مرات عدة، ثم في تونس مرتين، وآخر طبعاتها صدرت في المغرب، لكنها لم تصدر في أيّ طبعة عراقية.

هل ترى أن القصة القصيرة عتبة ضرورية لكتابة الرواية؟
- المسألة نسبية، تختلف بين كاتب وآخر. هناك ساردون لم يكتبوا إلا الرواية، ومنهم جبرا إبراهيم جبرا، إذ له باكورة قصصية فقط، وكذلك الطيب صالح صالح الذي له باكورة في القصة القصيرة أيضاً، ثم عبد الرحمن منيف الذي شغلته الرواية، وهذا ينطبق على حنا مينه أيضاً. لكن هناك من شغلتهم القصة القصيرة فقط، مثل محمد خضير وزكريا تامر.
كانت القصة القصيرة وما تزال محطتي الأولى التي انطلقت منها، لذا أعود إليها بين فترة وأخرى يأخذني إليها حنين جارف، وقد وصفها الصديق (المرحوم) عبد الستار ناصر بأنها حبي الأول، وأظنها كذلك رغم أن الوجوه قد اختلطت عليّ.

قدمت الباحثة الإيطالية «ماتيلدا جالياردي» أطروحة جامعية بعنوان «رواية عبد الرحمن مجيد الربيعي والقصة العراقية الحديثة» لنيل درجة الدكتوراه (1975)، وهذا الأمر يعكس مدى الاهتمام النقدي العالمي المبكر بتجربتك الإبداعية ويعكس الصدى الذي أحدثته رواية «الوشم» بعيد صدورها العام 1972. هل استفدت حقاً من النقد الذي تناول تجربتك الإبداعية؟
- صرت أشعر أن «الوشم» بعد الانتشار الذي عرفته، تُلحق ظلماً برواياتي الأخرى. أحياناً يعمل «توقيت» إصدار عمل أدبي معين على انتشاره، وسيُعْرَف الكاتب به رغم أنه كتب بعده أعمالاً أخرى لا تقل أهمية عنه.
صدرت «الوشم» في طبعتها الأولى عن دار العودة، هذه الدار التي اكتسحت سوق النشر في السبعينات من القرن الماضي ووصلت إلى كل البلدان العربية، إذ أذكر أنني اقتنيت نسخاً منها في الجزائر في العام 1976 مثلاً.
وهناك دراسات عديدة عن تجربتي، سواء على شكل رسائل جامعية أو بحوث نقدية، صدرت في كتب أو هي في طريقها إلى ذلك، وكلها بالتأكيد أفادتني على مستويات عدة ليس أقلها أنها شحذت همتي وأقنعتني بشكل وآخر أن صوتي مسموع، وهذا مهم ولم يكن صرخة في واد كما يقال في الأمثال.

أيّ رواية هي الأكثر تعبيراً عن نفسك وعن أفكارك؟
- ليس بين رواياتي رواية أثيرة ومفضّلة على غيرها، إذ إنها جميعها تمثلني، وكل رواية في مرحلتها، وبمجموع هذه الروايات تستطيع أن تتابع قراءة التاريخ السياسي العراقي من الملكية وحتى نهاية أحداث احتلال الكويت، فرواية «نحيب الرافدين» مثلاً توثق لواحدة من أصعب المراحل السياسية العراقية التي شكلت الحرب العراقية الإيرانية محورها.
أحبّ كل رواياتي، وأتذكر كيف وأين كتبت كل رواية، وأيّ مشاعر عشتها وكيف استُقبلت من القراء والنقاد.

ما هي القضية الرئيسة التي تتبناها في كتاباتك؟ وما الذي يمكن أن تقوله اليوم وأنت ترى في غابة النار أشجاراً مشتعلة، ذات أضواء سوداء تلهب أجسادنا؟
- كانت أحلام جيلنا تسكن سطورنا، وهي أحلام ليست منعزلة عن أحلام الناس من حولنا، ولذا وجدنا أنفسنا في الخضمّ، وما ظننا أنفسنا بعيدين عنه صرنا فيه وصار فينا، انْحَزنا سياسياً وتحزّب الكثيرون منا ودفعوا الثمن اعتقالاً وتشرداً وحرماناً، لكن الإصرار هو الذي أبقى الكثيرين منا واقفين.
ربما شغلني «اللا عدل»، وشغلتني المراحل السياسية التي مر بها العراق، لكن هذا لم يبعدنا عن «فلسطين» القضية الماثلة والجرح النازف، وقد تحدثت عنها في روايتي «القمر والأسوار» كما تحدثت عنها في آخر رواياتي المنشورة «هناك في فج الريح»، وتحديداً عن فلسطينيي تونس قبيل اتفاق أوسلو ثم بعده، إذ كنت في داخل الفعل الفلسطيني الإعلامي والثقافي حتى يومنا هذا.
أما ما الذي أقوله حول ما أراه وأعيشه؟ فكيف أجيبك والنار في ثيابي.

ما حدود العلاقة بين الأدب والحرية من وجهة نظرك؟ وكيف ترى مسؤولية المبدع في صنع المستقبل العربي؟ وكيف تقرأ تأثير «الربيع العربي» على المشهد الإبداعي في السنوات القادمة؟
- الأدب هو حرية.. لا كتابة أدبية والسهم مسدَّد إلى قلبك. لن يكون نصك ثائراً ومتجاوزاً إذا كانت حريتك مصادرة وكلماتك تخضع لألف تاويل وتأويل.
أما عن مسؤولية المبدع في صنع المستقبل العربي، فالمهمة لا تقع على المبدع فقط، بل هي مشتركة، والأدوار موزعة بين السياسي والإداري والعامل في مصنعه والفلاح في حقله والطالب في معهده أو جامعته والمبدعون بأدوارهم المتعددة.
على المبدع أن يكتب النص المبشّر والمتنبئ والمتجاوز، وسيكون دور هذا النص أكبر إذا ما كانت المجتمعات لا تعاني من الأمية الثقافية، حيث يأخذ المبدع دوراً قيادياً ولا يترك كل شيء للسياسي، عكس ما نجده في وضعنا العربي الحالي، إلا في حالات نادرة.
أما عن تأثير «الربيع العربي» على المشهد الإبداعي في السنوات القادمة، فإن هذا المشهد اختلط وذهب إلى محارق الدم والإرهاب إلا في حالة تونس التي أكدت نجاح تجربتها وخاصة في التحول الديمقراطي والقبول بنتائج صندوق الاقتراع. ولعل أهم مكسب تحقق هو مكسب الحرية، إذ هي سلاح كل المبدعين الآن ولا أحد يشكو من قمعٍ لها، ولكن لحد الآن -وأقول هذا تونسياً- لم تنجَز الأعمال الكبيرة لا في الكتابة ولا في السينما ولا في المسرح. فثمة حرية وافرة، لكن الإبداع لم يأتِ بعد. هناك طغيان للسياسي على الإبداعي، ولكن الاستقرار الذي يعقب المتغيرات المتسارعة هو الذي سيأتي بالإبداع الراسخ الذي يمثل الوجه الحداثي الجديد الذي يضيف للمحطات المضيئة الماضية المنتزَعة من سنوات القهر والخوف والمصادَرة التي مرّ بها البلد.

كيف ترى علاقة المثقف بالسلطة؟
- من بين أكثر المتاعب التي يعاني منها المبدع، تبرز علاقته بالسلطة أو علاقة السلطة به. انهما يحتاجان لبعضهما بعضاً، فلا بد أن تكون للمبدع وظيفة حكومية غالباً، ومن هنا عليه أن يكسب رضا السلطة التي كانت تطلب ممن يريد التعيين في الوظيفة «شهادة حسن سلوك»، والمقصود هنا ألا يكون منتمياً أو له علاقة بحزب سياسي معارض للسلطة.
كما أن لكل سلطة مبدعيها والتابعين لها، وهم من نطلق عليهم «مثقفو السلطة»، أو يكونون من المنتمين للحزب الذي يقود هذه السلطة، ومن الصعب إن لم يكن من المتعذر على هذا المبدع أن يحافظ على استقلاليته، وإلا أصبح مثار شبهة، ولهذا ثمنه.
جلّ السلطات تريد مبدعين ممتثلين مطيعين، وأسوأ هؤلاء أولئك الذين يرْتدون لكل مرحلة ثيابها، يفعلون ذلك بانتهازية عجيبة، وقد رأينا هؤلاء في كل المراحل التي عايشناها سواء في العراق أو في أقطار عربية أخرى.

تقيم في تونس منذ العام 1989، لماذا كان قرار الانتقال من العراق إلى تونس؟
- عرفتُ تونس للمرة الأولى في العام 1973 عندما استضافت أول مؤتمر للأدباء العرب في بلد مغاربي، كنا مجموعة من الأدباء الشبان الذين ربطت بيننا علاقات صداقة صادقة ما تزال مستمرة حتى اليوم، كان هناك رشاد أبو شاور وخالد أبو خالد وأحمد دحبور من أدباء فلسطين عدا أسماء كبيرة من الرواد وخصوصاً من المصريين الذين كان يوسف السباعي يحرص على ضمهم إلى الوفد الرسمي المصري. ومن العراق كان الوفد يضم الجواهري الكبير والبياتي، ومن سوريا نزار قباني وشوقي بغدادي، ومن السودان الطيب صالح ومحمد الفيتوري.
هذا عدا أدباء تونس الذين ربطتني بهم صداقة واسطتها الروائي (المرحوم) محمد صالح الجابري الذي حمل لي إنتاجهم ونشرته في مجلة «الأقلام»، وكان الجابري وقتها يدرّس في جامعة بغداد.
أحببت تونس، لذا عدت إليها في العام 1980 للعمل في المركز الثقافي العراقي، ومكثت عامين مليئين بالعطاء الأدبي والمشاركة في الندوات والتعرف على جلّ الأسماء الأدبية، وكانت روايتي «الوشم» قد صدرت في طبعة تونسية ليبية وانتشرت بعد أن درّسها توفيق بكار في كلية الآداب.
وفي العام 1989 جئت إلى تونس ضمن كوادر منظمة التحرير الفلسطينية الثقافية والإعلامية، وعملت في مجلة اتحاد عمال فلسطين «فلسطيننا»، وبعد اتفاق أوسلو بقيت في تونس، وقد قدمت وقتها رسالة إلى الأخ القائد أبو عمار ووضحت فيها أسبابي وما أزال هنا في تونس منذ ذلك اليوم.

أيّ أثر تركَتْهُ تونس في نصّك الإبداعي؟
- دخلت تونس المدن والناس في عدد من أعمالي القصصية منذ مجموعتي «الخيول» التي صدرت في العام 1976 بطبعة تونسية أيضاً، وبعدها في بعض قصص مجموعتي «الأفواه»، ومجموعتَيّ « السومري» و»امرأة من هنا رجل من هناك»، وكذلك في روايتي «خطوط الطول خطوط العرض» التي توزعت أحداثها بين بغداد وبيروت وتونس.
وآخر أعمالي الروائية «هناك في فج الريح» تتحدث عن الوجود الفلسطيني بتونس بعد احتلال بيروت في العام 1982 وصولاً إلى اتفاق أوسلو ومغادرة القيادة إلى أرض الوطن.
هذه الرواية هي أول رواية عن الوجود الفلسطيني بتونس، وفيها شخصيات تونسية من أصدقائي الأدباء والإعلاميين والنقابيين الذي عشت بينهم وعملت معهم في تلك السنوات. أما آخر مجموعة قصصية صدرت لي، وتحمل عنوان «الشعارات تتبارى»، فأغلب قصصها مستوحاة من المناخ التونسي بعد الثورة. هذه القصص التي وُلدت من معايشتي اليومية لمجريات الشارع السياسي التونسي وما يضجّ به من أحداث ومفارقات وانقسامات سياسية مفزعة، حيث ترفض أحزاب أحزاباً أخرى وكأنها ليست من صلب الفعل السياسي الوطني، كما تُشيطن شخصياتٌ سياسية من يخالفها الرأي أو له معتقدات أو مرجعية فكرية مختلفة.

كيف تستعيد صورة جبرا ابراهيم جبرا وقد أشرتَ إليه في سيرتك «أيّة حياة هي»؟
- في سيرتي الذاتية «أيّة حياة هي؟» أتحدث عن رؤيتي لجبرا للمرة الأولى، كان ذلك في معرض للفن العراقي تقيمه سنوياً جمعية أصدقاء الشرق الأوسط ببغداد، وهي جمعية أميركية على حد علمي، وجبرا درس هناك إضافة إلى دراسته في بريطانيا.
كان وسيماً، طويل القامة وبيده كأس وهو محاط ببعض الحاضرين المنصتين له.
ثم حملت له ذات يوم أنا وماجد صالح السامرائي مقالاً لمجلة «العاملون في النفط» التي كان يشرف عليها، وعنوان المقال «جوجان أعنف الرافضين»، وقد أُعجب به ونشره في وقتها.
كان لجبرا حضور قويّ، وله تأثيره في الحركة الأدبية العراقية، والشعرية منها بشكل خاص، وترجمته المبكرة لكتاب جيمس فريزر «الغصن الذهبي» أفادت الشعراء وخصاًصو بدر شاكر السياب وبلند الحيدري، كما أنه يكاد يكون الناقد الوحيد للفن التشكيلي، وكان الرسامون يطلبون وده، وكم سمعت فائق حسن وهو يذْكره بإعجاب. كما كان من أقرب أصدقاء جواد سليم، وهو الذي نشر رسائله.
توثقت علاقتي بجبرا، وكنت أزوره مع الأصدقاء، خصوصاً ماجد صالح السامرائي الذي أجرى معه حوارات عديدة أصدر بعضها في كتاب صدر بتونس.
وقبيل وفاة جبرا كنا في انتظاره للمشاركة في مهرجان أدبي بمدينة القلعة الصغرى التونسية، وأذكر أنه اعتذر في اللحظات الأخيرة بسبب متاعبه الصحية، ولم ندرِ أن هذه المتاعب ستختم حياته الحافلة، خصوصاً أنه كان وحيداً بعد رحيل رفيقة حياته لميعة العسكري التي كانت وراء قدومه للعراق قبل أن تبدأ مأساة اللجوء الفلسطينية.
هنا أقول إن الفرز السياسي العربي في أواخر الخمسينات وما تلاها من عقود كان له تأثيره على من صُنّفوا بأنهم من اليمين، وجبرا أحدهم. وكانت مؤسسة فرنكلين تنشر له ترجماته، ومن بينها ترجمته لرواية وليام فولكنر الشهيرة «الصخب والعنف».
ومن أجمل ما أتذكره عنه، تلك الرفقة الجميلة إلى القاهرة عندما كنا بين المدعوين من رئاسة الجمهورية المصرية لحضور الاحتفال التكريمي الذي أقامته بمناسبة فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل (1988)، ولنا صورة مشتركة على ضفة النيل نشرتها في كتابي «من ذاكرة تلك الأيام – جوانب من سيرة أدبية».

هل من أمنيةٍ تتوق إلى تحقيقها؟
- أنا اليوم أحمل الجنسية التونسية إضافة إلى جنسيتي العراقية، لكني أطمح إلى الحصول على الجنسية الفلسطينية، فأنا عربيّ، هكذا نشأت وهكذا تربّيت، وفلسطين هاجسي، فهي آخر أرض عربية محتلة.

ما مدى رضاك عن مسيرتك وعمّا أنجزته فيها؟
- لم أُقْدم على نشر أيّ عمل كتبته إلا بعد شعوري بكثير من الرضا عنه، ثم تأتي التقييمات النقدية لتعزز هذا الرضا أو تزعزعه. لكن يمكن القول إن إيماني بالكتابة وجدواها يزداد رسوخاً وتأكُّداً.